مناقشات حول القصة القصيرة باسوان


سطوة المكان في قصص (( عبد الوهاب الأسواني ))
(( مثال  شال من القطيفة الصفراء نموذجا ))


لكل مبدع طريقة , يسلكه ويعتاده بمجرد إمساكه القلم , وهذا لا ينفي عن المبدع قدرته علي التجديد في أساليبه وبناءه , ولكنه يظل محتفظاً بسمات رئيسية ينطلق منها فعل السرد .
فعبد الوهاب الأسواني من هؤلاء المبدعين الذين أشار إليهم المكان بسطوته أن يأتوه , وندههم إليه .
والمكان في القصة القصيرة المصرية , لم يأخذ حقه علي أيدي الجيل الحديث الذي أتخذ الحداثة بتشكيلاتها المتعارف عليها , طريقاً له , وأستهدف الإبداع التجريدي , ليتجاوز الزمان والمكان معاً , أما عبد الوهاب الأسواني فجاء إبداعه منطلقاً من المكان (( ونحن نصعد ضد التيار في طريقنا إلي أسوان بعد أفرغنا شحنة من الصخور الجرانيتية في ميناء روض الفرج بالقاهرة ))1 .
فالمكان عند عبد الوهاب الأسواني سرد صريح , غير متخفي وراء الدلالات المكانية المتعارف عليها .
فهو يذكر  (أسوان – المنصورية – النجوع وغيرها ) من الدلالات المباشرة أما عن الدلالة الغير مباشرة عن المكان فهي كثيرة ....






(1)  المكان واللغة / صوت النص وإشارات أخري :

يحرص الكاتب علي استخدام لغة أبطال النص / أصحاب المكان ( مكان الحدث ) .
وإن كان يتجاوز أحياناً ذلك بصوته الأدبي فيعلو به علي صوت النص , فهو يقدم اسم الإشارة ( هذا ) علي جملة حوارية عامية خاصة بالمكان (( هذا أخر كلام حدانا )) ص14 .
بالرغم عن أن صوت النص / خصوصية المكان (( دا أخر كلام حدانا )) .
وفي جملة حوارية تأتي دلالة اللغة علي المكان (( أنت متوكد يا شيخ غلاب )) ص28 .
حيث أن مقرره [ متوكد ] مفردة خاصة بقري ونجوع الصعيد / أسوان التي يرصدها الكاتب في مجموعته .
وفي حوار أخر يمتلئ بلغة
(( عيب يا عمدة ... ؟
-          أي عيب ألسنا محقوقين لأننا لأمثالكم ....
-          لا داعي لكثرة الكلام , أنزلوا وفي ستين ألف سلامة !
-          ننزل عند من ؟ ... ذيل العربان
-          نحن ذيل العربان يا من شبعتم بعد جوع ونسيتم  أفضال أسيادكم .
-          أنتم أسيادنا يا حوض البصل .... )) ص32 .
والمقطع السابع دلالة واضحة علي خصوصية المكان 
علي النص وان كان المؤلف حرص علي تجميل اللغة , بلغته كأديب مما يؤثر علي صوت النص كما أسلفنا .
والدلالة اللغوية علي المكان كثيرة , فهناك الأسماء .
(( صالح      شيخ النجع الشرقي , وعبد السلام الأخضر , وعامر الخابور , عبد الحفيظ المخلول كبير النجع التحتاني))ص26
وهناك الأمثلة العامية (( يا قاعدين يكفيكم شر الجايين )) .

(2)                        المكان والخيل


للخيل في الجنوب مكانة خاصة ,       من خصوصية المكان الذي تحتاج       الجبلية بأسوان إلي ركوب الخيل  , واتساع الأراضي الزراعية لدي البعض إلي الخيل للمتابعة , ولا تقف أهمية الخيل عند هذا فهي سبيل المتعة , ودلالة امتلاكها علي الغناء والمكانة العائلية المتميزة , وقد نجح الكاتب في رصد هذه الأهمية (( هبطت من الجرف جماهير جديدة يتقدمها شيخ البلد يمتضي صهوة فرسه الحمراء [ العايقة ] بجواره نجل العمدة علي فرسته السوداء [ العرايشية ] حولهما خمسة من أبناء الأعيان يركبون خيولهم )) ص52 .
(3)المكان عادات وتقاليد الترحيب والفرح :
(( أطلق بن عميد النجار عشر رصاصات أخري ودار أفضل شابين في لعبة التحطيب بشمر وخ           حول بعضهما بطريقة راقصة وهما يتقدمان الموكب , وذبح كبير تجار الغلال خروفاً في منتصف الطريق تحية لأبوزيد , ثم سحبه ليمر الموكب بعد أن ترك شريطاً من الدماء علي التراب وتوقفت فرس شيخ البلد   [العايقة ] فجأة فتوقف الموكب , لم تتحرك إلا بعد أن أوجعها صاحبها بسوطه)) ص54 .
يرصد الكاتب في هذا المقطع حالة استقبال بأحد الأعزاء ذوي المكانة عند القوم وهذا تدليل علي المكان وخصوصيته الجنوبية التي تعشق الخيل / التحطيب / ذبح الخراف في أفراحها .
(4) المكان : عادات وتقاليد الموت :
للموت ارتباط وثيق بالمكان , فعادات استقباله في الجنوب , مستمدة من قدماء المصريين , لم تغيرها الثقافات الحديثة , بل ما زالت الأجيال تتوارثها , ولما كان ( عبد الوهاب الأسواني ) مرتبطاً بمكانه ارتباطاً جعل من قصة وسيلة لتصوير هذا المكان بكل ما يحتويه من ألم وفرح فيأتي رصده لعالم الموت في قصة "الأشواك البرية "  رصداً هادئاً معتمداً علي سرد مكتنز بالعبارات والجمل الدالة علي مكان الحدث / الموت .
يرصد من بداية خروج الجنازة (( خرجت الجنازة من الجامع الكبير في الضحى وراءها سار رجال العائلة يتقدمهم الأخوة والأولاد ... النساء في الخلفية تحللن من الوقار صراخهن يتصاعد في موجات .. من وسط الجماهير تتردد الإسترجاعات والحوقلات ... )) ثم يأتي رصد موقف أهل وخاصةً أبناءه وبناته (( ابنة العمدة الكبرى [ شاكريه ] تحزمت بأكمام قفطانه الشاهي وتركت بقيته ينسدل حول نصفها الأسفل .... )) ثم يأتي رصد القول / العدودة كما تسمي وإن كان الكاتب حرص علي أن يكون صوته أعلي من صوت النص , فجاء بمعلوماته عن الشعر الذي راحت تشدو البطلة  الذي هو ( شعر حزين قالته عزيزة بنت معبد سلطان تونس – يوم استشهاد أبيها )  
(( شاكريه تنادي المغسّل
هات ليفتك والصابونه
أبونا من الصلا ما بكسّل
يا دِلّنا بعد أبونا .. ))
ويتواصل رصد الكاتب لعادات وتقاليد الموت في المكان حتى ينتهي الحدث بانتهاء دفن الميت .

           *******************************

(( إشارات وهوامش ))

  • سبيل المتعة في الخيل             في استخدامها في رماح الخيل ( سبق الخيل ) بالصعيد , وهذا السباق يحرص أهل أسوان علي ممارسته في أماكن متفرقة سنوياً , غير استخدام الخيل في إحياء الأفراح بالرقص بها وسط المزمار البلدي .
  • مجموعة " شال من القطيفة الصفراء – سلسلة أصوات أدبية – الهيئة العامة للكتاب .


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

مناقشات ..حول القصة القصيرة بجنوب الصعيد بقلم/عماد عزت

برنامج وكيلك التسويقي في 30 يوم