شهادة من الشاعر النوبي الجنابي

شهادتى فى مؤتمر أقليم جنوب الصعيد بالغردقة
......
الأدب وصناعة الحضارة
****
عندما نعي أن عصر التنوير الأوربي جاء نتيجة لكتابات أدباء ومفكرين كبار، أمثال : فولتير، ورسو، وديدرو، ومَنْ سبقهم ممن عبروا عن أفكارهم بالرسائل والحوارات والقصائد والمسرحيات .
فكان لذلك أكبر الأثر على الواقع، وعلى الأدب بوجه الخصوص، والذي تخلص من قيود البلاغة الثقيلة، وصار اطارًا للبرهنةِ على الأفكار
عندما ندرك كل هذا، ندرك قيمة الأدب ومن ثم ندرك قيمة الأديب في مجتمعه الذي يحوط به بشكل مباشر أو بشكل غير مباشر، من خلال كتاباته أو مقالاته ودورياته .
ولا ننسى أَنّْ أهم العناصر التي ساعدت في بلورة الفكر في بداية عصر التنوير، وتكوين رأي عام هي المنتديات والصالونات الأدبية، ومن هنا تبرز أهمية اللقاءات الأدبية والندوات والمؤتمرات .
وقبل أن نبدأ حديثنا عن الأدباء، ومنتجهم الثقافي، لابد لنا أن نتساءل مع سارتر وسؤاله الأشهر: ما الأدب ؟
ونضيف نحن : ما هي طبيعته ؟
وما هو الدور المنوط به ؟
نجد في تعريف الأدب مقولاتٍ كثيرة وأراءً متعددة، ولكن معظمها يصب في اتجاه واحد يجعل من الأدب " نوع من أنواع التعبير عن المشاعر الإنسانية والتي تجول بخاطر الكاتب، وهو بمثابة انعكاس لثقافته ومجتمعه "
وهذا صحيح الى حدٍ بعيد، ولكن من وجهة نظرنا هذا ينصب على ظاهر الأدب لا جوهره، ولكن إذا نظرنا إلى الأدب من ناحية أخرى، نجده هو هذا الوسيط الأعظم ما بين قوى خالقة وواقع يبحث عن وجوده الإنساني والشعوري والفكري .
ومن هنا ننتقل إلى طبيعة الأدب، وهل هو يفرض نفسه على المتلقي أم أنه يتحاور معه ويجادله لتنتج من ذلك الرؤى التي يتشكل منها وعي المجتمع، وبهذا الشكل يكون الأدب مستفزًا للأفكار والمشاعر الإنسانية، ومن ثم يكون كاشفًا لِم غاب عن العيون .
أما إذا تحدثنا عن دور الأدب المنوط به، فنستطيع أن نقول أنه يكوّن صورة عن الواقع الاجتماعي بأبعاده النفسية والفكرية والشعورية والمادية، بل قد يكون الأدب الضوء الذي يتم تسليطه على معاناة معينة ويتم لفت نظر المجتمع لهذه المعاناة وبالتالي إيجاد حلول جذرية لها، أي أن الأدب يمكن أن يكون مرآة لكل ما يدور في المجتمع وبقدر جديته وتركيزه على القضايا الانسانية يكون نجاحه بأن يتحول لجزء من الواقع الاجتماعي وليس مجرد انعكاس له، فكم من الروايات غيرت مجرى حياة الكثير من الناس بل غيرت مفاهيم متجذرة في المجتمع .
ولكن الأدب أيضاً له وجه آخر وهو الوجه الخيالي، أن يتمكن الأديب من نقل القارئ العادي إلى عوالم من الخيال الذي لا يمكنه أن يتخيله كشخص عادي بمفرده، وهذا الأدب الخيالي من أجمل ما يعتري النفس البشرية بتحرريها من كل ما هو واقعي، وهذا الخيال يمنحها بعداً آخر للواقع الذي تعيشه، فهي تخرج من قيودها عبر الأدب الخيالي وترحل معه بعيداً عن الواقع وحين تعود لواقعها تعود محملة بكل تلك الصور الخيالية، فيحصل المزج ليس بين الصور الخيالية والواقعية بل يحصل المزج في عالمين من الشعور لأن الشعور لا يفرق بين ما هو خيالي وما هو واقعي، لذلك يحلق الشعور بالقارئ إلى فضاءات أخرى حتى ولو كانت أفكاره متجذرة في العالم الواقعي.
وحين يكون الأدب صورة عن الواقع لابد أن يكون شديد النقاء وشديد الدقة في نقل تلك الصورة الواقعية، لأن الخيال يسمح بالالتفاف حول الأفكار ولكن الواقع لا يسمح بذلك ولا يسامح على ذلك الالتفاف .
من هنا يتضح لنا دور الأديب، إذ أنه الخالق لهذا الأدب، وكما يقول كونديرا " الكلمات مسدسات عامرةٌ بقذائفها " فإذا تكلم الكاتب فإنما يصوب قذائفه، والأديب الحقيقي هو من حافظ على ملامحه الانسانية في كل المواقف وفي كل السطور والصفحات .
لم يحافظ على هذه الانسانية ليبدو أجمل ولكن لأنه و ببساطة لا يستطيع أن يعيش بدونها لا يستطيع أن يكتب بدونها، لذا يبدو أن أكثر الأدباء العالميين شهرة هم أكثرهم انسانية ورقة وشفافية .
قد يكتب الكاتب عن الواقع ولكن مهمته الأساسية هو أن يكشف ما يقبع خلف الواقع من مشاعر، مشاعر قد تكون نبيلة وقد تكون وضيعة ، قد تكون مثالية وقد تكون مادية ولكنها المحرك لكل التصرفات الانسانية، قد تنحرف بسبب الطمع والحقد، وقد تتخذ المسار الصحيح بسبب الحب والنزاهة، جميع الأعمال الأدبية تحمل ذلك الوجه الواقعي للعمل الأدبي ثم تحمل ذلك الوجه الخفي لما يدور في الذات البشرية وما يدور في الذات البشرية يبدو أكثر تعقيداً مما يدور في الواقع الحسي، لأنه بداخل هذه النفس تكمن جميع المشاعر، جميع الرغبات، جميع التطلعات وايضاً آخر محطات اليأس والانسحاب غير المعلن .
والأديب أيضاً يرى الواقع من عدة أبعاد وليس من بعد واحد، يكتب عما هو بسيط بلغة عميقة، ويكتب عما هو معقد بلغة بسيطة لأنه يفكك الواقع ويعيد تشكيله برؤية الانسان الأديب وبمقدار وعيه الانساني والثقافي تأخذ هذه الصورة الواقعية أبعاد أوسع ، ولهذا يبدو أن الأديب الحقيقي له دور غير دور الكتابة الأدبية، له دور إيجاد الحلول أيضاً لمشاكل انسانية لأنه يرى العالم بمنظار متعدد الأبعاد .
وبعد كل هذا لابد لنا أن ندرك شيئاً في غاية الأهمية، ألا وهو إشكالية التلقي وكيف لنا أن نقرأ الأدب بشكل جيد، فلكي نستمتع حقاً بالأدب ونكتشف أبعاده لابد أن نتخلى عن جميع أفكارنا حول الموضوع الذي نقرأ عنه
أن نقرأ وكأننا لا نعلم، أن نقرأ وكأننا نشعر لأول مره، أن نقرأ وكأننا برحلة اكتشاف الحياة، وحين ننتهي من القراءة يمكن لنا أن نستعيد أفكارنا المسبقة ونكتشف إن كنا قد اضفنا شيء أجمل وأرفع وأنقى لأفكارنا أم أننا اضعنا الوقت والجهد بقراءة ما لا يستحق القراءة .
قراءة الأدب لا يجب أن تخضع للنقد خلال القراءة ولكنها تقدم نفسها طواعية للنقد بعد القراءة خصوصا حين يكون هذا الأدب يتحدث عن الواقع.
هذا في المجمل هو دور الأديب والمنوط القيام به، كاشفًا للواقع بكل أبعاده الاجتماعية والسياسية، محاولا بهذا الكشف خلق واقعًا أفضل ، ولكن إذا توفرت الحرية الكاملة له، فليس هناك أدب حقيقي يتولد من الخوف، وليس هناك بيئة حقيقية تتأثر بالأفكار الأدبية وهي في حالة خوف حتى من التلقي
.....
النوبي الجنابي

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

تقارير صحفية حول عماد عزت