مناقشات حول الانسان المبدع احمدربيع الاسواني .. بقلم عماد عزت




الفن هو ذلك النهر الذي يفيض علينا من حين لأخر بأصوات عذبة , تستلهم عذوبتها من تلك الروافد الجنوبية الراسخة بين الجنادل والصخور , تظللها سماء الأساطير والمرويات القديمة , تمتلئ صدورها بالخوف والرهبة , فتسود السطور باحثة عن الأمل ومقاومة الخوف .
هذه هي خصوصية أحمد ربيع الأسواني ( كان النجع يعج بالأساطير والخرافات ( أم شلال ) الجنية الجميلة التي تغري الشباب بالاقتراب منها , ثم تختفي فجأة بعد أن يخلعوا سراويلهم فتصاب عقولهم بالاختلال والهوس , وهذه الأساطير استقرت في الصغر عبر الوجدان كحقائق , وفيما بعد استحوذت علي قسم كبير من الوعي الكتابة لدي وشكلت عصباً رئيسياً في كتاباتي عن القرية الجنوبية ) .
من هذا التكوين الثقافي الخاص , انطلق فعل القص عند أحمد ربيع الأسواني بتكنيك سردي متميز هادئ , وبرمز بسيط عميق أحياناً تؤرقه آلام الوطن , وتحتويه الآمال وتدثره روح الفنان المخلص لفنه فنراه يقول بصوت شجي [ رغم رحلة الإبداع الطويلة والشاقة إلا أنني أشعر بأنني لم أقدم شيئاً ذا قيمه , هي مجرد إرهاصات فقط وإن ما كتبته إلا مقدمات أو بدايات لما هو آت في جعبة الغيب , أعرف وأدرك تماماً أنه الحلم السراب . لن يتحقق أبداً ] .
(1) التكنيك السردي .......
لكل كاتب أسلوبه الخاص في السرد , ويمثل التكنيك السردي الآن محوراً أساسياً في التجريب والتحديث وأحمد ربيع الأسواني , يطرق هذا الباب بهدوء فعبر ثلاث مجموعات قصصية هي ( الشمس طلعت يا عريس – أشياء لا تحتمل الإفصاح -  ونتف الريش ) جاء التكنيك السردي ثابتاً إلا في بعض القصص المفردة , وهذا ما سنحاول مناقشته تبعاً للتقسيم التالي :-

" أ "  المستويان المتوازيان

جاء فعل القص علي مستويين متوازيين هما الرأسي ويمثل الحدث الأساسي لفعل القص , والأفقي ويمثل الحدث الممتد للأمام أو الخلف انطلاقاً من الحدث الأساسي وقد يمثل هذا التكنيك عند " القاص " في قصة أزمنة الصهيل حيث الحدث الأساسي لفعل القص هو أرض المعركة ورؤية الراوي لطفلة إسرائيلية تقف أمامه ولا يستطيع قتلها , وبعيداً عن الدلالات الإنسانية للقصة جاء المستويان المتوازيان حيث يسير القاص رأسياً في رصد حركات الفتاه أمامه ثم يمتد أفقياً ليستدعي ( كان لأختي زينب وهي طفلة ثوب يماثله في اللون والمقاس أذكر أن أبي ابتاعه لها من أحد أسواق غزة ......) ص8 
بعدها يرجع ليواصل رحلة التوازي رأسياً .

( في منتصف المسافة توقفت الحمقاء فجأة وكأنها أدركت مغبة ما هي مقدمة عليه أو آن أحدهم هناك استوقفها بالنداء من خلف التل ..... ) ص8 ولكن يقطع هذا السرد المتوازي تلك الجمل التقريرية والتي يحاول الكاتب من خلالها إبراز صوته الخاص بعيداً عن هذا التكنيك المتحدث بنفسه عن فعل القص / الحدث [ ونختار أمثلة لها " لقد حاربنا علي مدي التاريخ عشرات المعارك وليس هناك من تاريخ يطاول تاريخنا وكانت جميعاً دفاعاً عن الوطن ولم تحمل لنا صحائفه فيما حملت أننا كنا نقتل الأطفال والنساء ] ص30
-          لقد كان جميع أعداء مصر يتصفون بالصلف والخسة ومع ذلك لم تلجأ إلي تلك الوسائل الرخيصة هي بكل المقاييس ومهما حاولنا أن نجد لها مخرجاً أو تفسيراً جريمة حرب (ص30) .
-          هي حضارة أمه وتراث شعب (ص31) .
-          إنها قضية حسمتها حضارتنا من زمن بعيد ( ص33 ) .
-          وفي قصة التبلور يحاول القاص أن يسير علي نفس المستويين المتوازيين لكن الترهل في النص وتدخله الدائم بالجملة التقريرية أفسد عليه توازنه فجاءت القصة غير متماسكة ولنري درجة من الخطابية والتقريرية في :
-          [ فها هو مجدي الشاب الوسيم يكاد يلتهم بنظراته هامة امرأة تفتقر إلي معظم مقومات الأنوثة ( تكفي الجملة إلي هنا لتوضيح المعني لكنه يواصل).... أيعود ذلك إلي أننا لازلنا رغم كل شئ نحمل في دواخلنا تلك الصحراء المترامية الأطراف بالنسبة للتعامل البشري مع المرأة ] ( ص3) وفي قصة البلاد المضيئة  في قاع النهر ... يستمر السرد متوازياً علي المستويين ( رأسياً وأفقياً ) لكنه بعد فترة قصيرة من مساحة السرد , يتأخر السرد الرأسي ويكثر الاستدعاء من الذاكرة للحظات الماضي , وفي النهاية يلتقي المستويان وتتوحد لحظة السرد , حتى تأتي خاتمة القصة بتقريرية الكاتب وتصريحه بالمكان والذي سبق وأن عرفناه من خلال السرد المطول ؟!
( يصاحبني في العناء بلهجتنا النوبية .............  إننا ننتمي إلي بلاد النوبة (! ! ) في كوم أمبو)[ ص40 ] – علامة التعجب من عندنا - .....  هكذا يحاول القاص أن يستخدم هذا التكنيك السردي إلا أنه غالباً ما يقع في شراك الخطابية والتقريرية بتدخله المباشر في النص , وبتخلصه من هذه السقطة , سنقف عند حدود رائعة من السرد المتوازي الهادئ .

" ب " المستوي الأوحد

هذا التكنيك السردي يسير بالحدث القصصي في اتجاه واحد .... متصاعد حتى لحظة التنوير / المفاجأة / الصدمة / الانغلاق / الفزع والذي تنتهي به القصة .

تبدأ قصة نتف الريش بالتكنيك السردي الأوحد حيث يبدأ النص مفتوح ومهيأ لاستقبال الحدث السردي بتماوجاته المتصاعدة فتكون الممارسة الجنسية من قبل زوجة الباشا , وإشرافه هو علي هذه الممارسة من أجل النقود هو ذلك الحدث المتنامي , والذي يقرنه القاص بفعل الممارسة عند الطير فيشرف ذكر النسر علي فعل الممارسة والذي يتم بين أنثاه وذكر الغراب في مقابل الطعام المقدم له , لكن عكس الممارسة عند الإنسان والتي تمثل استهلاك للحياة بكل معانيها( من امتهان , فعل الحرام , بيع الرمز الأثري , انهيار لغة الحياة السليمة , والسقوط في براثن أسلوب الشوارع [ أنا ألف مرة قلت بلاش أسلوب الشوارع بتاعك  ده .

-          لأ وأنت الصادق في وش البركة وعماد الدين و مين عارف كمان يمكن خطفت رجلها لشارع محمد علي ...( ص23) .
-          تأتي ممارسة الطير – حتى ولو كانت محرمة من وجهة نظر الإنسان – إنتاج فتخضر الشجرة وتضع أنثي النسر بيضها ..... وتنغلق دائرة الحدث القصصي بنهاية القصة ( ولما أقنعت نفسها بذلك حاولت عبثاً الإمساك بالحد الفاصل بين مشاعر الرفض والقبول ) ص29 .
وهذا الحد الفصل بين مشاعر الرفض والقبول هو حد العقل , الذي يفصل بين طبيعة الممارسة عند الإنسان والتي يجب أن تحتكم إلي العقل ,  وعند الطير والتي لا تحتكم  لعقل, وبذلك لا تدخل في نطاق المحرم / الاستهلاك وبالرغم من امتلاك القاص لتكنيكية السردي إلا أن النص جاء في تصعيده بعض الترهل والذي أفقد النص بعض من حرارته المتنامية ونري ذلك في حوار الباشا مع زوجته , ( - شفتي أنيس ابن منصور كاتب إيه النهارده في الأهرام .... إلي أخر الحوار [ ص 16 , 17 ] ) ولن نحاول رصد هذا الترهل ويكفينا الإشارة إليه لتنبيه القاص .
..... نجح الكاتب في توظيف تكنيكية السرد في بناء أقاصيصه التي حوتها مجموعة أشياء لا تحتمل الإفصاح – فجاءت متماسكة يتنامي حدثها القصصي بصورة طبيعية هادئة مصحوبة بتكثيف للغة وتوظيف جيد للمفردات .
ففي أقصوصة (( السوق )) تنامي القص من زحام السوق إلي النظرة المتبادلة ثم الخروج إلي كوم النخيل ثم لحظة التنوير ( نظر خلفه أخرج شيئاً من جيبه ظل ممسكاً به وهو ينظر إلي قمة الطريق ألقي علي الأرض ثم استدار بين النخيل حيث توقفت دارت حول نفسها مرتين ...  برشاقة التقطت الشيء الملقي علي الأرض تفحصته ثم دسته في صدر الثوب عند التقاء النهدين  أمسكت بذيل ثوبها وبخطوات واسعة والخلخال يرن ودون أن تكلف نفسها عناء النظر إلي الخلف اندفعت داخل الكرم ) ص94 .
وفي أقصوصة (( الرائحة )) يحاول الصغير التعرف علي تفاصيل الموقف ( جذب الولد الصغير لفافة الخبز الساخن إلي صدره وحاول عبثاً من خلال العتمة الإلمام بالتفاصيل ) ص96 .
لكنه يصاب بالصدمة في نهاية الحدث لحظة التنوير / الصدمة ( طرق الولد باب الشقة بعنف .... باكيا وبلا خبز اندفع نحو الداخل للمرة الثانية وأهمته رائحة العطر ) [ ص197 ] .
فكانت هذه هي لحظة التنوير للقارئ بأن فعل الممارسة تشترك فيه أم الصغير والصدمة للصغير [ محور الحدث القصصي ] باكتشاف للام . ونجاح القاص يتمثل في حشد التفاصيل الخاصة بالحدث في لحظة المقارنة التي تتم بين رائحة العطر أسفل المبني وأسفل الشقة .
وتأتي لحظة الفزع في نهاية " الحدث القصصي " لأقصوصة الصدمة

( راح الولد المفجوع يعدو علي حافة الترعة دون أن يلتفت خلفه ) ص101 .

كذلك تتجلى لحظة للصدمة علي نفس التكنيك السردي في قصة الكابوس حيث يأتي التكنيك السردي علي هيئة حوار متصاعد يخفي خلفه لهث الراوي خلف هذه اللحظة / الصدمة ( - ولماذا جعلتني أسير معك كل هذه المسافة دون أن تخبرني ؟ )

ص115. وتأتي لحظة المفاجأة في قصة رجولة لتخالف بذلك العنوان والتصاعد الساخن للحدث القصصي ( تغافلهم كما فعلت وتنقض علي سروالك فتجعله يستقر فوق الحذاء وتلحق به اللباس الداخلي تباعد بين فخذيك وتشير أن شئت بإصبعك إلي الانبعاج الهابط أسفل الحوض حيث النتوء الصغير الذي لا يتعدى حجمه حجم الدبوس ) ص125 .

وهذا المستوي من التكنيك السردي يتواجد بكثرة في قصص " أحمد ربيع الأسواني" ونجح تماماً في أقاصيصه الواردة في مجموعته " الشمس طلعت يا عريس " ( وأجمل ما في هذه القصص الست الصغار اختيار الكاتب للزوايا والبؤر , والابتعاد عن المباشر والزعيق وروح الشجن التي تغلفها مجتمعه ) ص190 .

ونجح الكاتب أيضاً في أقاصيصه الواردة في مجموعة " أشياء لا تحتمل الإفصاح "

والتي تعرضنا لبعضها في هذه المناقشة .

ج المستوي المتعدد

يأتي هذا التكنيك السردي مبنياً علي التعدد السردي للحدث القصصي والتعدد يأتي في الشخصيات الساردة أو المسرود عنها أو يأتي في المكان والزمان .

ففي قصة " مكابدات العقول الذكية لإنقاذ الضحية " يتعدد السرد بتعدد الشخصيات فيبدأ الحدث القصصي بحمدان الفهلوي ( هو واحد من شباب الكفر يشهد له الجميع بالخفة في التقاط الرزق ...... ) ص61 , ويأخذ السرد في تصاعده حول هذه الشخصية حتى يصل إلي الحدث القصصي ( في صباح ذلك اليوم المشئوم خرج حمدان الفهلوي مبكراً متوجهاً إلي السوق والناس نيام , وبينما هو يسير متراقصاً كعادته تارة إلي الخلف وأخري إلي الأمام وطأت قدمه علي واحد من تلك الألغام المنسية ) [ ص61 ] .

وبنهاية شخصية حمدان الفهلوي / الحدث ينطلق السرد عبر شخصيات أخري ليلقي بظلال أخري من المعاني والرموز ، ليشكل دائرة مفرغة حول الحدث .......

فالعمدة ( راح يلف ويدور كالمحموم ، ثم أعتلي حجراً وحول جسده المكتنز لملم جيداً جبته الفضفاضة والقفطان ..... ) ص63 , وبعد وضوح موقف العمدة من الحدث وإبرازه لخطورته , يلقي بالمسئولية علي الشخصية التالية وهي شيخ البلد ( تلقي شيخ الكفر أوامر العمدة الصارمة بفتور لا ينم عن حجم الكارثة المرتقبة ) ص64 , ويتلخص شيخ البلد من الحدث دون أن يقدم له سوي أمر ( ثم أمر شيخ الخفراء بتنفيذ الأوامر حرفياً  وتجنب الاجتهاد والدراسة )

ص65 , هكذا يتواصل الصراع الخفي بين الشخصيات المسئولة عن الحدث ولكنه صراع من أجل الأهواء الشخصية ، يدورون حول الحدث من أجلهم لا من أجله ( أما شيخ الخفراء الذي يعد واحد من أهل الدهاء والمراوغة والذي لا يدع فرصة تفلت منه إلا واغتنمها لتعزيز هدفه الغير معلن وهو الوثوب علي منصب شيخ الكفر ) ص65 , وبتعدد الشخصيات يتعدد الضمير المستخدم في السرد فيتغير الضمير الغائب إلي ضمير المتكلم لتكون دلالة السرد أصدق من جانب ولتمثل صوت من بعيد يدلي برؤيته في الحدث القصصي من جانب أخر ( أري أن كل الذين سبقوني في الحدث قد جانبهم الحكمة وابتعدوا عن طريق الصواب فأنا أعلم الناس بالرؤوس وما يعتمل داخل النفوس ) ص67 , كذلك يأتي هذا الصوت لرجل البريد ولممثل المعارضة ويعود ضمير الغائب / من قبل السلطة إلي مندوب الحزب السياسي .

تبدأ قصة " مطاردات " بتصدير ( رؤية أدبية لمقتطفات من مذكرات لم تكتمل ولن تكتمل لرجل هزي ويجوب شوارع مدينتي عارياً كما ولدته أمه ( ص41 .
فرض الراوي بتصديره هذا التكنيك السردي للعمل بأن طبيعة المذكرات والتي غالباً ما تدور في الماضي وتتعدد فيها الأماكن والأزمنة وهذا ما تتضمنه هذه القصة القصيرة التي يتعدد فيها الزمن ليلقي بظلاله عبر فترة زمنية تمتد ما بين 1967 إلي 1990 في أماكن متعددة بين مدن مصر وأقطار أخري كالكويت والأردن والعراق ، وهذا التعدد في الزمان والمكان أعطي للقاص

  مساحة واسعة ليظلل بها موضوعه ربما لا يتناسب كثيراً هذا التكنيك السردي مع طبيعة القصة القصيرة لكن القاص نجح في تجاوز ذلك بتصديره المسبق بأن القصة / اللحظة هي كتابة المذكرات ورؤية الراوي لمذكرات الرجل الهادئ ويتجسد هذا التكنيك السردي ( المتعدد ) في قصة تقارير والتي تجسد حدثها في أماكن متعددة في ( الحمام – المقهى – القطار ) .

الحدث القصصي هو كتابة التقرير الأمني من قبل رجال البوليس / المخبرين فعمد " القاص "

إلي استخدام هذا التكنيك السردي ، حتى يتناسب مع حدثه في محاولة لإبراز استنكاره علي أسلوب المخبرين في جمعهم للمعلومات الأمنية ، والتي تتطرق أحياناً إلي أدق الخصوصيات العائلية . [ وغادرنا الغرفة ، عاريين ... خلفنا أوصدت باب دورة المياه جيداً , صرخت وهي تلوز بالجدار الرطب هنا ... !
 أسرعت فحشوت الفراغ أسفل الباب بالمنشفة انتزعت من فمها قطعة العلكة وألصقتها علي ثقب المقبض المخلوع . فككت طاسة الدش .... دسست يدي عبر فتحة الفضلات المنزلقة فتحت الصنبور وأعدت إغلاقه ... بحثت خلف خزان السيفون ومرآة المغسلة وأسفل قطعة الصابون وفرشاة الأرضية ( ..... ) همست لنفسي وأنا بالزهو والارتياح ، حسناً ستذكر العين المدربة في تقريرها غداً وكذلك التوقيت ولكنها أبداً لن تأتي علي ذكر التفاصيل .   ص142 .

(2)                        خصوصية المكان

( خصوصية المكان تعني  سيطرة المكان وحضوره القوي في العمل ) ولا تتوقف هذه الخصوصية عند الحدود الجغرافية للمكان بل تمتد إلي [ كل ما يرتبط بالمكان من عادات وتقاليد – طقوس – لغة – أساطير – فكر ]9 ومن هذه الخصوصية يأتي الانطلاق الإبداعي لأحمد ربيع الأسواني – ولنرجع سوياً تصدير المناقشة – وبالرغم من توقف الكثير من المبدعين عن المفهوم الضيق لخصوصية المكان وإسهامهم في وصفها عبر قصصهم إلا أن أحمد ربيع الأسواني نجح في توظيف هذه الخصوصية وجعلها القاعدة التي ينطلق منها قلمه ليعبر عن قضايا عده لا تتوقف عند الحدود الجغرافية للمكان .
والمكان بخصوصيته لا يتمثل في الجنوب بصفة خاصة أي أن خصوصية المكان عند أحمد ربيع الأسواني حدث قصصي فقصص الحرب عند القارئ يدور حدثها القصصي في أرض المعركة / سيناء – مثلاً – حتى لو عاد القاص بسرده إلي الجنوب .
إن الرصد الطبيعي والجغرافي للمكان يعد مدخلاً أساسياً عند القاص لنصه الإبداعي في محاولة لتهيئة القارئ لجو النص .
ففي قصة " الوجع " ( علي المصرف المالح يطل بيتنا الواسع ببوابته الخشبية العريضة الملطخة بدماء الأضاحي والنذور القديمة علي صدغها الأيمن وبالقرب من مزاير السبيل ارتفعت شجرة الصفصاف التي انحنت عند قمتها فأرخت شعورها علي سقف المنضرة ثم راحت تزحف بأفرعها الصغيرة نمواً نحو بقية الأسطح القريبة ..... انزلقت الأمطار رغم ندرتها بطلاء الجدران القديم فانطمست معالم المراكب والطائرات والإبل المحملة والرايات الخضراء ذات الأهلة البيضاء وكذلك العبارات المؤرخة لمن حج من أهل الدار إلي أرض الحجاز ) ص74 .
وفي قصة " طقوس " يرصد لنا القاص ( الآن والليل ساج والصحراء قفر والفراغ الموحش ممتد مضجر)  ص35 .
كذلك يمثل الموروث الشعبي / الثقافي علاقة تبادلية بينه وبين المكان ... والعكس صحيح ..... ومن ثم استدعاء طبيعة [ ثقافة ] البيئة / الشخصية والتي تشكل عنصراً أساسيا في البناء الفني للعمل وإحاطة المتلقي به ..
 
·         أي وصف المكان وصفاً صادقاً فإنه يدل دلالة قاطعة علي الموروث الشعبي / الثقافة لهذه المنطقة

 

واحتشد في قصة ( الشمس طلعت يا عريس )3  كم كبير من هذا الموروث المعبق برائحة الجنوب فنري في قوله ( والوقت ثقيل سمج حتى انبلاج الصبح كي نصطحب عر يسنا الذي يرشف العسل من حلاله الآن , ويطرقع بسوطه في هؤلاء الغرفة الضيقة لإرهاب البنية)ص2 .
وتدل هذه الجملة علي طبيعة الممارسة الجنسية في أول ليلة من الزواج وتستحضر لنا طبيعة المكان الجافة / القاسية وإن كانت اختفت هذه المعاملة الساذجة / القاسية في كثير من مدن وقري الجنوب , لكنها ما زالت مستمرة في بعض النجوع والقرى التي لم تحظ بقسط من العلم أو حتى المعرفة الإعلامية علي الأقل ...!
ويرصد " القاص " مشهد الاحتفال الأنثوي بالفرح ( بينما شهر بان خالة العريس تفيض شدواً بالغناء داخل الدار وتزعق بين الحين والأخر , ولم ينل منها التعب بعد – ليلتك صباحي يا ولد الغالية – والتي أظنها تغتسل الآن بالعرق وتكاد ملامحها تختفي خلف غلالات من أدخنة البخور ودوامات هبو الأتربة المتصاعدة من تحت أقدام البنات ذوات الأجسام البضة الفائرات بالرغائب والمشتعلات بالرقص المجنون كالأفراس المذمومة فيرتج منهن اللحم وتتهدل الشعور وتنفر المفاتن وقد لفعهن الليل المتجلي بالدلال الرهيف وغواية السحر وزاد من انفلا تهن حصار النسوة العجائز المضروب حولهن فصرن في مأمن عن عيوننا الراصدة نحن ذكور العشائر المحاسبيين والمعاقبين إذا ما اشتط الأمر وزاد عن حده ومال بهن الحال وانحدر نحو الإسفاف والابتذال ) ص52 .
صورة طويلة ينقلها القاص من خلال سرده الهادئ لثقافة الجنوب في الاحتفال بالفرح / طقوس الفرح فالبخور الذي تختفي خلاله شهر بان خالة العريس
" ثقافة ضد الحسد واقتناع داخلي بالطقس والرقص ، الذي تزاوله الفتيات بعيداً عن أعين الرجال ثقافة الالتزام والحرص علي أن يكون فرح النساء بينهن لعدم اختلاط الحابل بالنابل , وحرص – أيضاً – علي الابتعاد عن العقاب الذي سينزل بهن إذا ما مال بهن الحال وانحدر كما يتضح في اللغة الصارخة بالتهديد" نحن ذكور العشائر المحاسبيين والمعاقبين " ويلقي بظلال سريعة علي طقوس تجهيز العريس " ( هو مغتسل وطاهر ومخضب بالحناء من مفرق الشعر حتى أخمص القدمين ومضوع بطيوب المسك والمحلب ..)ص62
وغير الدلائل السردية للموروث أتي القاص بتدخلات لمقاطع من الأغاني الشعبية كان يدخلها علي السرد بصوت خارجي يكون تابعاً لمضمون السرد السابق أو الآتي ...... فنري ذلك في ( وعقب أن أفرغت رأسها هان الثرثارة استدرت قبل أن تمتد يدها إلي ياقة ثوبها وتكشف لي عن جيدها الأملس ومعه الجزء العلوي لبدايات الثدي كما هو الحال كلما التقيت بها – ويذيل القاص الوصف السابق بالأغنية الآتية والتي تدل علي الجمال والنسب الذي يسعى إليه كل رجل –
دى بنت مين يا جماعة من الربوع طلت    
دي بنت السبع قبايل والرجال هلت          
دي بنت مين يا جماعة عن الربوع بانت   
                 دي بنت السبع قبايل والروايح فاحت) ص65 .              
وفي مقطع أخر تأتي الأغنية لتعبر عن الآتي من الحدث القصصي
( " والشمس طلعت يا عريس قوم بينا
رش الروايح علي الخدود الزينة
قومي رشي الروايح والبسي المر قومي"10
وكان النفط ألم بدول الذي ترجل عن فرحه منذ سنوات والذي تنشق عنه الأرض فجأة قبل أن يصل القطار ويرحل بأخيه المقاتل نحو الشمال ) ص68 .
ويتضح من السرد الذي أتي بعد الأغنية انه يوم الصباحية والذي لم يمارس فيه الطقوس المعتادة بل سينزح إلي الشمال / أرض المعركة
هكذا يتضح لنا أن القاص كتب نصاً "بداخله ( يعلن منطوق الثقافات عن نفسه بقوة خلال هذا النص ، ولا غرو فالأحداث وتداعيات التذكر تدور في قلب واحد من الجماعات الشعبية المقيمة في جنوب مصر وحمل النص ملامحه هذه المنطقة وما تحتويه من قيم ومعتقدات وأعراف وخبرات حياتية وكذا جينات كروموزمات المعارف الشعبية –" راجع تمهيد محور خصوصية المكان وبداية حديثنا عن الموروث الذي نحن بصدده " وفق الكاتب في تضفير النص وغمسه في مصهر الممارسات الحياتية لهذه الجماعة وفي اختياره للمواضع التي أورد بها مقاطع من غنائها الشعبي وهي مواضع كثيرة داخل النص , الأمر الذي جعله نصاً مفتوحاً علي واقعة وممتزجاً ببيئته ...... )4 ص192
وفي قصة " البلاد المضيئة في قاع النهر " (5) يرصد لنا القاص من خلال عودته إلي الجنوب حيث أهله , لأن الحدث القصصي ينطلق من المستشفي / عيادة الطبيب . ويوضح لنا هذا الاستعداد , الأثر النفسي للمكان الذي به الحدث , فيبدأ استدعاء المكان المحبب لديه – الجنوب – بكل تقنياته ( هناك في الجنوب الشلالات كانت بيوتنا البيضاء ذات القباب المستديرة التي بنيت بالطول والعرض فسيحة كرحابة قلوب ساكنيها عند سفح الجبل وحتى ضفة النهر ترتفع علي مداخلها الصحاف الخزفية اللامعة والزاهية الألوان والرايات البيضاء المخضبة أطرافها بالحناء وعرائس الطين المشرعة أزرعها في الهواء فتضرع للنخيل والنيل والرب الخالق وكذلك جلود التماسيح و الأورال الصغيرة المحشوة بالتبن والنخالة وهي تحتل أكتاف الجدران والتعاويذ المغلفة بجلود الماعز التي تبطل فعل الحسد وتضلل الأرواح الشريرة التي تسكن قمم الجبال وقاع النهر ) [ص20- 21 ] .
ترصد هذه الجملة الطويلة الثقافة الاعتقادية لدي أهل هذه المنطقة من الجنوب وهي منطقة النوبة بكوم أمبو . ويواصل القاص الاستشهاد بالموروث لتوضيح طبيعة المكان انطلاقاً من خصوصيته ( رمسيس العظيم ولدي أقدامه الضخمة حيث الظل لا ينقطع ، نجلس لنأخذ قسطاً من الراحة ..... تمضغ العجائز السعوط ويقضي من يشاء منا حاجته خلف الحجار ويتسلل قسم من النسوة والفتيات إلي داخل المعبد لينبشن في التراب بحثاً عن الجعارين الصغيرة والخرز الملون حيث يعتقدن أن اقتنائها يعين علي الإنجاب ويزيد من معدل إدرار الحليب في الصدور )5
[ قصة البلاد المضيئة في قاع النهر ص30 ] نري أيضاً في هذه الجمل جزءاً من الثقافة الإعتقادية والتي صرح بطبيعتها الكاتب من خلال سرده وإن كان هذا التصريح في السرد عيباً فنياً لاعتبار ذلك تدخلاً من الكاتب في النص , ولكن لا بأس منه أحياناً لإكساب النص مرونة بعض الشيء بتفسير هذه المعتقدات الكثيرة الواردة بكثرة في قصص الكاتب .....!
ويواصل القاص خصوصية المكان من خلال الثقافة الإعتقادية .
( علي المصرف المالح يطل بيتنا الواسع ببوابته الخشبية العريضة الملطخة بدماء الأضاحي والنذور القديمة ) ص74 .
وتصور هذه الصور من الاعتقاد الشعبي ضد الحسد . ولارتباط خصوصية المكان باللغة ارتباط وثيقاً ... نجد أن الحرب لغتها ( المفردات والتراكيب التي تكشف الإحساس بالحرب علي الجبهتين العسكرية والمدنية ) ص185 .
وذلك كما استخدمها القاص في مجموعته [ الشمس طلعت يا عريس ]
ففي قصة " أزمنة الصهيل " يأتي القول بلغة خاصة ترصد لنا طبيعة وجغرافية المكان ....
[ كنت لتوي قد بدأت المراقبة عندما رأيتها عبر المنظار المقرب وهي تهبط التل الرملي نحو جرف المياه الداكنة الزرقاء والقناة بضفتيها مكفنة بالصمت الحذر بينما خفتت في قلبها الدفقة وماتت عبر حلقها الضحكة واستشرت علي شفتيها البثور فراحت ترنو لزمن قادم يحث نحوها الخطي ........ ] ص7 .
وفي أقصوصة " ترسبات " يأتي القول بلغة الحرب معبراً بخصوصيته الشديدة عن حنق زملاء ( البطل الحدث القصصي ) لهروبه من المعركة ( عند رأس لمعبر حيث اللغط والضجيج والاندفاع نحو الشرق علي أشده وبعد أن أشبعه رجال الشرطة العسكرية سباً وصفعاً وركلاً هو يتدحرج بين أقدامهم وقد أخفي رأس بين ذراعيه ومحتبساً في حنجرته متواليات من الصراخ المذعور , دفعوه نحو القائد الحانق الذي سأله بدوره وهو يقاوم بكبح جماح الغضب والانفجار مثل جنوده عن السبب وراء هروبه من ميدان القتال )
ص42 .  ويواصل القاص استخدامه للغه الخاصة بمكان حدثه القصصي فنراه في قصة [الركض ] يقول ( حلفت أمك أن تعد من أجلها [ ما جور ] حناء ستكسوها به من مفرق الشعر حتى بطن القدم ستحيل سمارها يا بسطاوي إلي صفار الكركم )5 ص45 .
لغة الاحتفاء بالعروسة , وتبرز معالم / طقوس الاحتفال بالفرح في شخص العروس ...!
وفي موضع أخر تأتي لغة معبرة عن الانزعاج كما في قصة [ يوم الترحم ] .
[ يا لطيف ... العين فقأت عين الجمل وفلقت الحجر الصوان والحرمان يولد الحسد .
-          لمن هذا الولد ؟
-          يصرخ عم عباس
-          ألا تعرفونه !! ابن المرحوم سيد ) ص105 .
وبالرغم من أن الإضافة علي الجملة الأولي ( والحرمان يولد الحسد ) بها تقريريه لم تخدم المعني , إلا  أن اللغة جاءت بخصوصيتها الجنوبية المعبرة عن الموقف بصدق ...
وفي قصص أخري ينحدر القاص بلغته حتى يصل إلي مستوي أبطاله في محاولة منه لإضفاء جو من الصدق الفني , لكنني أعارض هذا الاستخدام اللغوي ، لأن الأديب بثرائه اللغوي يمكنه التخلص من هذه السقطة دون أن يخل بالعمل فنياً .
ولننظر إلي هذه الجمل والواردة في قصة " نتف الريش " بمفردها ...!
(- أمشي يا شرموطه يا بنت الكلب [ 8 ]
-          أنت لسه فاكر يا تربية الغز – قصر إيه وبتاع إيه روح أمك ......[ 11 ]
-          طالع نازل انسي , تقدر تقول خرابه , عشة فراخ – [ 10 ]
-          ( أما بتبص فيها كده ليه ؟
.................................................
-          أصلها كانت معايا من أسبوع
-          بأمارة إيه يا فالح
-          أتلهي علي عينك دفيها إيه يعني ..... ) ص15
-          صحيح اللي اختشوا ماتوا ...! غور غور في نص كونياك ..... [ ص15 ] )
-          نلخص مما سبق مناقشته بشأن خصوصية المكان , أن القاص نجح في استحضار خصوصية المكان بأعماله القصصية , وإن هذه الخصوصية هي التي شكلت نقطة الانطلاق .

(3)                       الرمز وأبعاده

( ...  في الفن يتغير العالم من خلال اللغة واللون والصوت , فالفن نظام من الرموز تكمن قيمته في النظام أولاً ثم في الرسالة التي يقوم بأدائها وذلك لأن الفن يتكون ويكشف ويوحي من تقديم مستمر للمعاني وأيضاً من إخفاء مستمر لذلك المعني في الوقت نفسه) ص85 .  لهذا لم تخل مجموعات " القاص " من الرمز وتوظيفه / ولما ارتبط الرمز بالحدث الجنسي في بعض القصص , سنترك ذلك لحين مناقشة هذا في محور [ الجنس ودلالته ] وسنتوقف هنا مع الرمز .... بعيداً عن الجنس ... !
تكمن الرمزية الاجتماعية في أقصوصة " عقاقير " حيث الدلالة علي أن المرض / الشيخوخة / الفقر / اجتماعها في شخص واحد يستلزم ذلك علي المجتمع أن يتوجه برعايته إلي هذه الشخصية , لكن الجفاء من قبل المجتمع – حتى أن الشخص لا يستطيع شراء الدواء / الحياة – دلالة علي غياب القيم / التحول الاجتماعي الخطأ , والصراع الطبقي ........ الخ
( بحياء يشوبه الخوف داعبي طفلاً بتمرير أصابعه الخشنة علي وجنتيه ... جفل الطفل ونظر إليها سذرا ثم أسرع يلوذ بساق أمه )5  ص98 .
[ لمحها البائع وكأنه يعرفها ابتسم في رثاء وهز رأسه نفياً وهو يشير إلي اللافتة التحذيرية المعلقة فوق رأسه ... حاصرتها نظرات العملاء فازداد لديها معدل الفضح والارتعاش وتسديد اللكمات إلي الجبهة , بذلت جهداً خارقاً كي تستدير بصعوبة عثرت علي مقبض الباب ....... ]5 ص98- 99 .
ويتواصل القاص في تضمين الرمزية الاجتماعية , رامزاً إلي الاهتمام بالعادات والتقاليد علي حساب التواصل الاجتماعي شريطة ألا يكون هذا التواصل خادشاَ للحياء , حيث أنه من المعروف في هذه المجتمعات الريفية أن وجبات الترحم توزع علي الفقراء بصورة تحرج كرامة / الكبرياء الشرفاء ... إذا ما سعوا إليها ....!
( يصرخ عم عباس
-          ألا تعرفونه !! ابن المرحوم سيد
يمنحهم الولد فرصة قراءة تفاصيل المعاناة وإظهار الود المحسوب وتدبيج عبارات الثناء الفلتر ... تمتد أيديهم نحو رأسه ويمسحون براحتهم علي شعره ... يفركون كتفيه يعدلون من وضع ياقة جلبابه  ... يقلبون أبصارهم ويسترجعون الذكريات مع أبيه الراحل ثم يتسللون بلفائفهم وأطفالهم الواحد تلو الآخر لإعداد وجبات الترحم علي الأموات ...)5
ص105 .
وهناك رموز أعمق في توجهها عند القاص ، فلا تقتصر دلالتها علي أن الرمز اجتماعي أو سياسي ففي قصة " الكابوس " توضح قدرة الإنسان / الشعوب مهما كانت عقليتهم ساذجة / قدراتها العسكرية أو المادية ضعيفة , في أن يتلخص من مستغليه وينجح في الاستيقاظ من الكابوس / استغلال الأخر . وفي قصة الكابوس هو المتحدث بضمير المتكلم ( تقول طلقتها .... اتسعت الابتسامة الساخرة حتى ملأت وجهه وراح يغزوني بعينيه الضيقتين ... صرخت
-          ولماذا جعلتني أسير معك كل هذه المسافة دون أن تخبرني ضحك حتى خلته يكاد يستلقي علي قفاه ... غاظني أسنانه المعدنية اللامعة فوددت لو سددت إليه لكمة ... بلطف لا يخلو من الشماتة سحب معصمه من يدي .. وبخفه انضم للخلق الزاحفة .. )5 ص116
وفي موضوع آخر يأتي الرمز أعمق في الدلالة , أقوى في التوظيف ولا يأتي تفسيره إلا باكتمال النص كما في قصة ( رجولة )
( ... يأمر بإخلاء معصميك من القيد الحديدي فإذا ما تم ذلك تغافلهم كما فعلت وتنقض علي سروالك فتجعله يستقر فوق الحذاء وتلحق اللباس الداخلي ثم تباعد بين فخذيك وتشير إن شئت بإصبعك إلي الانبعاج الهابط أسفل الحوض حيث النتوء الصغير الذي لا يتعدى حجمه الدبوس ... )5 ص125
 وللرمز دلالات عدة فهناك دلالة علي أن الحرية لا تنال إلا بعد امتهان الكرامة " تنقض علي سروالك فتجعله يستقر فوق الحذاء وتلحق به اللباس " وأما الدلالة الأخرى فهي الانخداع بالشكل الظاهري والذي يذهب بلب الجميع دون النظر إلي الأعماق , وتكون الصدمة لحظة تجلي الحقيقة " وتشير إن شئت بإصبعك  إلي الانبعاج الهابط أسفل الحوض حيث النتوء الذي لا يتعدى حجم الدبوس ..!!
ودلاله أخري نراها في هذا الرمز ، وهي أن الإنسان الساعي إلي إخفاء الحقيقة عن المجتمع خلف قناع ظاهري يسترضي به المجتمع فإنه سيدفع من قبل المجتمع – أيضاً – لإزالة هذا القناع ... وبصورة مهينة جداً .... !!
وللرمز السياسي دور في التضمين عند القاص " أحمد ربيع الأسواني " ففي أقصوصة " العطية " يأتي الرمز موضحاً الصراع الذي يدور بين المرأة العجوز الجائعة والقطة .... حول بقايا الطعام التي تلقي من أعلي ...! وهذه دلاله سياسية حول العطايا / المعونات الاقتصادية فأحياناً كثيرة تكون هذه الأطعمة طعاماً للحيوانات لا للإنسان ومع هذا يتصارع عليه الإنسان والحيوان ......!
[ تتطلع حولها ثم تدفع بذراعها أسفل العربة للإمساك بشيء استقر هناك فيختل توازنها وتنقلب علي ظهرها وعن معظم الساقين ينحسر الجلباب والقطة الجائعة أسفل العربة تزمجر وتنشال وتنهبد وتستميت في الدفاع عن نصيبها من العطية ... ] ص103
وفي قصة ( ظلال ) يتمثل الرمز في ذلك الجندي الذي يذهب لمكان المعركة القديم – وإن لم يحدده الكاتب تحديداً مباشراً – لكن الرمز يدعونا لاستحضار لحظة الكفاح والصمود ( فجأة يهبط علي حافة الخندق , دفعة واحدة ينزلق إلي داخله وبصوت متهدج إلي حد البكاء يبدأ في إصدار الأوامر وحث الرفاق علي الصمود ]6 ص37
ويواصل الجندي نداءه للكفاح في ظل استنكار دهشة الواقع / المجتمع المحيط بالنداء ...!
( يتوتر الصوت يتصاعد إلي حد الصراخ , ترد التلال صداه , يكف الراعي الصغير عن الغناء ينصت ، ستحضر كل ما لديه من دهشة )6 ص37
وفي قصة ( الكلب بن الكلب ) حيث جاءت القصة من عنوانها ذات بعد رمزي ويؤكد العنوان علي أن هذا الكلب هو العدو ( الكلب بن الكلب ) للتأكيد علي صفاته الموروثة في الاستيلاء علي حق الغير وإتيانه من الخلف .
والرمز في هذه القصة لواقع العرب / مصر مع إسرائيل وذلك من وجهة نظرنا حيث الكلب / إسرائيل , الصبية/ مصر , تلك العضة التي أصابت مؤخرتهم هي هزيمة 67 والضربات المتتالية للكلب / حرب الاستنزاف والضربة القاضية / حرب أكتوبر حيث رموا بعضها الطوب / السلاح وهنا تحذير من الكاتب علي هذا التراخي
( لم يكن كذلك فإنه لم يجرؤ علي الاقتراب منا بعد أن تكسرت أنيابه وتحطمت ضلوعه ودونما اتفاق تخلينا عن الحذر والحيطة فلم بعد نحمل في جيوبنا سوي فستق العبيد وبذور القرع ونسي معظمنا تلك الندوب التي تحملها مؤخرتنا وبطون سيقاننا من الخلف )6
ص57 .
وفي أقاصيصه " وقائع الصفحات المهملة " تتمثل الرمزية السياسية في جميعها فأقصوصة الحلم / رمز لتحقيق النصر المنتظر
أما أقصوصة الكيف / رمز لاستهتار بعض الجند وغياب المسئولية عن بعضهم .
أما أقصوصة ترسبات / رمز للآثار النفسية التي تركتها هزيمة 67 هكذا يتواصل " القاص" مع قارئه معبراً بالرمز والإشارة ....!

(4)                       قضايا في الدائرة

 لم تكتمل دائرة الإبداع عند القاص بعد , فأمامه عمر طويل إنشاء الله ورحلة مستمرة من العطاء , لذلك نراه يهتم بقضايا معينة عبر ثلاث نقاط رسمها القاص في رحلته .... وسنحاول مناقشتها آنياً
أ‌-     الإنسانية
في غياب المبدعين الجدد عن القضايا الإنسانية ، واتجاههم  نحو التجريد يأتي صوت أحمد ربيع الأسواني, ليعود بنا بجمله التعبيرية الجذابة إلي زمن القص المفقود ...!
ففي مجموعته " الشمس طلعت يا عريس " نري الإنسانية بشتى صورها الحياتية ومؤثراتها الاجتماعية والمكانية .
حيث قصة " أزمنة الصهيل " جاء لنا القاص بصورة الإنسان المصري بإنسانيته وإخلاصه لوطنه , لكن ليس علي حساب الأبرياء حتى لو كانوا من الأعداء , فيتساءل حانقاً ( هل بلغت بهم [ أي العدو ] الجرأة والوقاحة والاستخفاف حد الدفع بأطفالهم في لعبة الموت ؟! وهنا في أتون الخط الملتهب ...! )3 ص8 كذلك تمتد الصورة الإنسانية عند " القاص " في قصة " الشمس طلعت يا عريس " والتي رسمت لنا صورة الهزيمة / 67 في نفسية الجنود الأبرياء – والذين لم يحاربوا بالطبع – جسدت هذه الصورة شخصية الفنض المبدول . وفي موضع أخر يرسم لنا صورة إنسانية للمريض الذي يتأثر بمكان التواجد / مكان الحدث ( المستشفي / عيادة الطبيب ) ووضعه كمريض يعاني من الألم أمام عينيه الصورة الجميلة لحياته السابقة .
( عبر الجلباب الأبيض النظيف الذي ألبسوني إياه منذ قليل وفرحت به رحت أتقدم خلف الطبيب متحاملاً علي جدران الممر الرطب تارة ومتكئاً علي ذراع الممرضة البدينة تارة أخري بينما كيس البول المثبت حول عظمة السابق يتأرجح ويرشح بفعل تكاثف الأملاح فتنساق علي ساقي خيوط صفراء لها رائحة الأدوية الكريهة يمتصها النشوب ويبتل ..!
أتوجع في صمت ... أعض شفتي وأزفر أنيناً يلوب عبر حنجرتي فيستحيل إلي حشرجة وشخير ... )5 ص19, يستدعي بعد هذه الصورة الأليمة , حياته السابقة في بلدته الجنوبية الهادئة  ..! وفي موضع أخر تتجلى لنا الإنسانية المعذبة / المضطهدة وتمثلها نظرات الطفل ..! ( .... جفل الطفل ونظر إليها شذرا ثم أسرع يلوذ بساق أمه )5 ص98
وتتجلى في موضع أخر صورة إنسانية للحرمان ( الأبوي / المادي ) [ يلمح الولد يوسف بعضاً من الكبار وهم يتوافدون تباعاً بصحبة أطفالهم علي أطراف أصابعه كالطير المهيض  يندس بينهم وفي سعادة وشغف يحدق في تأرجح خيوط الميزان ... يتابع أصابع العيال وهي تمتد نحو الذبيحة يسمون منها الأعضاء ويحصون الضلوع ويحاكون صوتها قبل أن تذبح .... يرصد الولد يوسف زخات الانتشار وهي تجوس عبر المآقي عندما يهوي الساطور علي الذبيحة محدثاً ذلك الصوت اللزج... يرهف السمع خشولة النقود الورقية ورنين  النقود المعدنية بين الأصابع ورغماً عنه تنشط الغدد اللعابية وقب الاشتهاء علي شفتيه بلا حذر وتعلن الأمنيات عن نفسها دون موار به )5 [ يوم الترحم ص104] .
تجسد هذه القصة لمحة إنسانية , لما فيها من حرمان أبوي / عطف الأبوة وهذا الحرمان يترتب عليه حرمان أخر هو الحرمان المادي .. ولكن من يشعر بهذا الطفل المسكين ...؟  ,  سؤال تطرحه الأقصوصة ... وتجيب عنه ( ويسترجعون الذكريات مع أبيه الراحل ثم يتسللون بلفائفهم وأطفالهم الواحد تلو الأخر لإعداد وجبات الترحم )5 ص105
(ب) الفقر / الحرمان :
تشكل قضية الفقر / الحرمان عند القاص بعداً أساسياً في الاهتمام القصصي , لذي نراه يصورها بشتى الطرق ,فالجنوب بأدواته الفقيرة فقير ، ويدفعنا ذلك إلي الإنصات لنداء الرحيل ( ماريا تقول أن والدها يمتلك مصنعاً ضخماً لصناعة قوارب الصيد في كندا وأنني معها هناك سأطفو علي سطح الدنيا وأعيش ما تبقي لي من العمر كما ينبغي أن يعيش المرء )5 ص47 , وفي موضع أخر ( قصة الركض ) يحاول بسطاوي أن يلبي احتياجات أسرته ( يفوز بسطاوي برحلة الركض الخامسة . يتراجع الباقون يتبعثرون . تحتل كلمات أمه عندما كانت تتلقفه بين ذراعيها لدي العودة من الترحيلة
يا ولدي مدام هناك العود ..... اللحم يعود )5 ص45 .
ولا تنفصل قضية الفقر / الحرمان عن المعالجة الجنسية عند القاص في بعض القصص , لذي أرجأنا الكثير منها لمناقشته في محور ( الجنس ودلالته .. )
(ج) الشمال والجنوب
يهتم القاص اهتماماً خاصاً ببعد الصراع بين الشمال والجنوب , فهي قضية تؤرقه , تكدر عليه صفاءه ففي قصة " التبلور "  ( ألوذ بالصمت ... أراجع في ذهني تلك المقارنات التي تؤرقني كثيراً والتي لا أقوي علي تنحيتها بسهولة عن تفكيري .. بين شمال وجنوب الكرة الأرضية بين شمال آي قطر وجنوبه بين شمال أي مدينة وجنوبها وحتى بين شمال البناية الواحدة وجنوبها , دائماً الشمال هو صاحب السبق والأنفاس الرتيبة أما الجنوب فنصيبه اللهاث والتخلف ... تتمادى أمي فتلطم النهدين المتأرجحين علي أنشوطة الترهل )5 ص38
(د) الوطن / الكفاح
كل كاتب لا يبتعد قلمه عن دائرة الوطن أياً كان شكل الكتابة التي تناولت القضية ولأن أية قضية اجتماعية – ثقافية – سياسية تمس الوطن فإن التعبير عنها يختلف من كاتب لآخر تبعاً للأسلوب والبناء الفني .. الخ " وأحمد ربيع الأسواني " كتب كتابة مباشرة عن الوطن / الكفاح متبنياً قضية سياسية وهي الدفاع عن الوطن وجلاء المستعمر , وذلك في مجموعته " الشمس طلعت يا عريس " وإن كانت هذه القضية قد مضي عليها عهد طويل , وصراعنا / وكفاحنا الآن يتجلى في السبق العلمي , لكن لا بأس من استحضار هذا الكفاح وان كنت أفضل أن يأتي هذا الاستحضار علي مدي مجموعات متفرقة لأنه في جرعة واحدة , لا يشكل تأثير قوي علي المتلقي والذي من المحتمل أن ينصرف عن جو المجموعة ولا سيما أن " أحمد ربيع الأسواني " ركز في استحضاره للكفاح عن قضيتنا مع إسرائيل / حرب أكتوبر ولم يحاول استحضار لحظات الكفاح التي يمتلئ بها تراثنا . وهذا ما يؤكد أن القاص توجه بمجموعته هذه اتجاهاً معيناً هدفه الأساسي النشر ربما ...!
وفي طيات هذه القضايا الرئيسية والتي شكلت جزءاً من دائرة القاص الإبداعية , كتب القاص قصصاً عن طبيعة الفنان ومعاملته ونظرة المجتمع إليه , كذلك أهمل القاص تلك القضايا الكثيرة التي تؤرق الورق وهي قضايا سياسية حديثة , وثقافية واقتصادية .. نأمل أن يعالجها قلم القاص مستقبلاً ... لتمتد دائرته الإبداعية . 

(5)                        الجنس ودلالته

... كان انطلاق " أحمد ربيع الأسواني " في قصصه كما أشرت من خصوصيته المكانية والثقافية , لهذا جاءت معالجته لقضية الجنس معالجة تنطلق من هذه  الخصوصية . وكثير من القراء يلهث في هذا القص – المعالج لهذه القضية – وراء اللحظة الميكانيكية لفعل الممارسة , لكن أحمد ربيع لا يسعى من وراء معالجته لهذه القضية خلف هذه اللحظة , التي يتتبعها المراهقين , وينصرفون بذلك عن أساس القضية / الحدث القصصي .
وينطبق قول أستاذنا الدكتور/ غالي شكري في جانبه الثاني – علي القاص – حيث يقول ( إذا كان الجنس وسيظل محور للآداب والفنون بأن الأدباء يختلفون من حيث درجة احتفائهم به . فبينما يتخصص له بعضه تخصصاً تاماً , نلاحظ آخرين يولون الحياة بكاملها جل اهتمامهم وعنايتهم بما تشتمل عليه من زوايا تتضمن تلقائياً هذه العلاقة أو تلك )12 ص76 , [ فأحمد ربيع الأسواني ] ممن يولون الحياة بكاملها جل اهتمامه , ومعالجاته الجنسية تأتي في سياق هذا الاهتمام .
وفي إطار مناقشتنا لهذا المحور عند القاص تأتي مجموعة أشياء لا تحتمل الإفصاح في المقدمة , فهي تحتوي علي الكم الأكبر من القصص الواقعة في حيز محور المناقشة .  ففي قصة " التبلور " تأتي المعالجة في إطار الصراع بين الشرق والغرب , فالدعوة إلي الممارسة تأتي من قبل الآخر / الغرب , رامزاً بذلك إلي انحدار القيم والأخلاق , والرفض يأتي من الشرق / رامزاً علي أن القيم والأخلاق ما زالت موجودة .
( - الليلة ستتناول العشاء معي
-          ماريا أنا مرشد سياحي ورأس مالي هو السمعة و السمعة هنا من زجاج
-          ولكنك لست زجاجاً
-          ماريا لقد نشأنا هكذا يحكمنا الدين والتقاليد والعادات لا نستطيع الإفلات منها بسهولة أو الإخلال بها )5 ص4
ويتواصل هذا الصراع بين الشرق والغرب حتى ينتصر الغرب بماله ويستطيع أن ينال ما يسعى إليه حين تنال ( ماريا ) / الغرب مرادها من صديق الراوي / الشرق.
( أعطتني ورقة خضراء من فئة المائة . سرت في جسدي رعدة
-          نظير ماذا ؟
-          أبداً ... رحلة فقط إلي طرف الجزيرة الجنوبي المهجور )5 ص 16- 17
-          لا تمثل هذه القصة الجنس كقضية , بل يأتي كرمز من خلال الحدث القصصي / القضية / هي شراء القيم والأخلاق .. بالدولار ..!
 وإذا كان الفقر / الاحتياج  المادي هو الذي تسبب في انتصار الفساد الأخلاقي علي القيم , فإن هذا الانتصار يتواصل مع اختلاف طرفي الحديث , في قضية التبلور كانا طرفا الحدث ( الشرق / الغرب ) أما هنا فطرفا الحدث من المجتمع ذاته / الجنوب . فالدلالة تنتقل إلي أن الصراع ينتقل بدوره / بفعل الفقر إلي داخل طبقات المجتمع من يملك يمثل الطبقة العليا / التي لها حق استبعاد / السطو علي الآخر ...!
وهذا ما رسمه القاص ببراعة في أقاصيصه ...
( السوق )          [ ... أخرج شيئاً من جيبه ظل ممسكاً به وهو ينظر إلي قمة الطريق ألقي به علي الأرض ثم استدار بين النخيل حيث توقفت دارت حول نفسها مرتين,  برشاقة التقطت الشيء الملقي علي الأرض ...
تفحصته ثم دسته في صدر الثوب عند التقاء النهدين ... أمسكت بذيل ثوبها وبخطوات واسعة والخلخال يرن دون أتكلف نفسها عناء النظر إلي الخلف اندفعت داخل الكرم ]5 ص 95  , فالمال سيطر عليها وألغي حرصها علي كرامتها / شرفها فلم تكلف نفسها عناء النظر إلي الخلف  ...! فالدلالة واضحة لا تحتاج إلي شرح / تفسير  ! !
وفي قصة " الصدقة "           ( علي حافة الترعة توقف الصبي الأغبر الأشعث عابر السبيل قبالة الرجل العملاق ذي العمامة البيضاء وطلب منه في حياء وحذر وانكسار زاعق أن يمنحه كوزاً من الذرة لوجه الله وصدق تدرأ المصائب عنه )5 ص100 , ويتصاعد الحدث إلي النهاية التي توضح الدلالة التي أشرنا اليها أعلاه والتي تشير في هذه القصة إلي استغلال الرجل العملاق بماله لهذا الطفل الصغير..!
( راح الولد المفجوع يعدو علي حافة الترعة دون أن يلتفت خلفه وهو يطبق بيمناه علي مؤخرته ويباعد فيما بين فخذيه ولا يكف عن النحيب والنهنهة )5 ص101
وفي  قصة " الأرملة "         [ رجال لم يكن أبيه الراحل يجالسهم أو يتعامل معهم عقب وفاته بدءوا يتوافدون والمدهش أنهم جميعاً يقتربون من الدار يداهمهم سعال التنبيه فجأة والأدهى أنهم يدعون في أحاديثهم بأن أبيه كان بالنسبة لهم مثل الأخ يستفسرون عن الأحوال ]5 ص108 , والأحوال التي يستفسر عنها هؤلاء الرجال هي العوز والفقر , الذي يعد مداخلهم إلي مرادهم ....!
وفي مجموعة نتف الريش " قصة الباشا "
( كنا متفقين لما كنت حلوة ومرغوبة والفيزيتة بتاعتي حراقة لأني مرات باشا
 ............................................................
-حكمته بتقول مفيش حد بيموت من الجوع في بر مصر كله بيتعشي وينام) ص22     
والدلالة الواضحة في هذه القصة أن الممارسة علنية ومعروفة للزوجين , وتتم علي أساس " الدعارة " , وهذا الاتجاه أيضاً دافعه الأول هو المال ...!
... يلقي " القاص " بالتبعية علي المجتمع في اتجاه هذه النماذج لممارسة الجنس أو الدعوة لممارسته ويتضح هذا جلياً في قصة " الباشا " والتي تعطينا نموذج للطبقة العليا , التي انحدرت إلي مستوي طبقي أقل , جعلها تطلب المال بأي وسيلة حتى لو كان هذا عن طريق ممارسة الجنس ....!
وبما أن المجتمع هو المسئول عن رعاية هذه الفئات وتوجيهها علمياً وثقافياً , فالدلالة التي ترصد هذا الصراع الطبقي تحتم علي المجتمع أن يتخلص من هذه الطبقية التي سادت المجتمع , حتى لا يقع طفلاً صغيراً في براثن كوز الذرة ...!
وهناك مستوي آخر للجنس عند القاص " أحمد ربيع " وهو مستوي الحرمان , والذي تجسده لنا قصص " الرائحة "          ( طرق الولد باب الشقة بعنف ... باكياً وبلا خبز اندفع نحو الداخل للمرة الثانية داهمته رائحة العطر )5 ص97
فالعطر رمز علي الرفاهية , والممارسة التي كانت تتم أسفل المبني ( عبر مدخل البناية المظلم وبالقرب من غرفة الحارس الموصدة والهابطة قليلاً عن مستوي المدخل )5 ص95 – دلالة علي حرمان الطرف المرفه من الممارسة التي تشبع رغباته , فيسعى لإشباعها عن طريق الحارس ... !
وفي أقاصيص " أشياء لا تحتمل الإفصاح " والتي حملت عنوان المجموعة جاء الجنس دلالة كاملة علي الحرمان منه , والبحث الدائم / الطبيعي لإشباعه كرغبة إنسانية ...
ففي أقصوصة " جارة الهنا " ( قالت أمي المتباهية بإنجاب الذكور أذهب واقطع الليل بالونس مع جارة الهنا رسمية حيث يقضي زوجها الليلة بالبندر )5
بداية الحرمان / غياب الزوج والذي ترتب عليه الشيء الذي لا يحتمل الإفصاح / الجنس .  ( سألتني وهي تلملم شعرها المنكوش تمهيداً للدخول في طشت الحموم بينما الانتشاء لم يبارح تقاطيع وجهها المسكون بالدهشة عما سأقوله إذا ما سوءلت عن الندوب التي تركتها أسنانها علي خدي وأنا أتفرس تفاصيل جسدها العاري ! ! إنها لسعات البعوض أليس كذلك )5 ص118 .
وفي أقصوصة " بنت الأصول " يتجسد الحرمان في ( تقول عنها النسوة إنها طيبة وبنت أصول و أن يدها  ازدادت سخاء عقب وفاة زوجها البخيل كما أن الدمامة البادية علي الوجه والقوام تخفي خلفها قلباً مثل بياض البفتة )5 ص118
الحرمان [ وفاة الزوج والدمامة ] يترتب عليه البحث عن إشباع الرغبة ( ورأيتها تجلس أسفل الحمار في حوش البهائم وتدفع براحتها في تجويف الجراب الذكري , البداية اعتقدت علي الفور أنها تحاول أن تنزع منه القراد العالقة مصاص الدماء أو إنها تزيل أوساخاً علقت به من جراء التمرغ في التراب أو الأوحال ولكن عندما برز العضو من الجراب كالعرسهة العفية ورأيت بوضوح راحتيها وهي تتابع البروز تدليكاً وسمعت لهاثاً يتنامى تشوبه حشرجة تصدر عن الحمار ...)5 ص119
وفي قصة " الفخ " الحرمان يتجسد في زوج كبير / لا يشبع الرغبة بالطبع [ قالت والوجه ممتقع وهي تشير صوب دارها والحروف تحط علي شفتيها في تلكؤ يثير الغيظ بينما عبر فمها راحت الأقماع الذهبية تلصف : عمك يوسف حرارته فوق الأربعين ]5 ص122
 وبنظرة أكثر عمقاً لمستوي الحرمان في الجنس عند القاص نجد أنه توجه بحدثه إلى الحرمان الأنثوي وفي هذا دلالة علي أن الأنثي في / الجنوب تشعر بالحرمان أكثر من الرجل ولا تستطيع الافصاح عن رغباتها بطريقة مباشرة , فتلجأ أحياناً إلى الطرق التي صورها القاص .
وفي نهاية مناقشتنا لهذا المحور نخلص إلى أن القاص اتجه بتصويره للجنس كأحد ظواهر الفقر / الحرمان ... ولم يترك قلمه ليقع في شرك التصوير الميكانيكي , بل كان تصويره راقياً هدفه معالجة القضية من خلال هذه الظلال المرسومة بعناية فائقة .....


































خاتمة  

 

...  تركت نموذجين من فصص الكاتب لهذه الخاتمة , ليكونا بمثابة الرؤية الأخيرة في هذه المناقشة , ولعلنا نكون وفقنا في رؤيتنا حول أعمال القاص " أحمد ربيع الأسواني " والنموذجين هما قصة " الوجع " وقصة " رسالة أخيرة إلي الخال عبد الجبار " وأبغي من خلالهما إبراز القصة المتكاملة فنياً والعكس .
والقصة المتكاملة فنياً من وجهة نظرنا هي تلك القصة التي نجح كاتبنا في تصوير رؤيته للقضية / الحدث دون ترهل في السرد أو إهمال للأبعاد النفسية والثقافية لشخصية الحدث القصصي ولنري  هذا التكامل الفني عند أحمد ربيع الأسواني في قصة " الوجع " .....   قصة الوجع مكتملة فنياً , وتتمثل فيها جميع محاور المناقشة فالتكنيك السردي جاء علي المستوي الأوحد , وتصاعد القاص بسرده للحدث القصصي حتى يصل إلي لحظة الانغلاق ( بفزع تمسك به بقايا النوم والهواجس تلف حولي فرأيت ذكور الدار وقد كانوا يحكمون الحصار حول القنطرة أطلقت ساقي للريح تجاه حقول القصب وأرجأت التبول إلي بعد النجاة )5 ص93 .
بهذه النهاية تنغلق علي الفنان الصغير / الحدث , الدائرة فيعود إلي حياته التي يمارس فيها ما يريده – هو – ولا يرضخ لإرادة المجتمع فيهرول , والمجتمع / ذكور الدار يهرولون  خلفه , وتتواصل المطاردة منهم / المجتمع والجنوح منه / الفنان .
والرمز يأتي عميقاً بارزاً حقيقة الفنان الحقيقي
( - ماذا يحدث لو امتنعت عن الرسم
-          غصباً عني يا جدي والله غصباً عني
-          ولازم البنات
-          موش لازم ... بس شكلهم كويس [ إبراز حرص الفنان علي الجمال ..! ]
-          وماذا لو توقفت
-          أشعر بالوجع ( اقتضاب الإجابة / غوص إلي أعماق المعني دلالة علي حقيقة الوجع الألم )
-          أين ..؟
-          في رأسي في صدري وربما أصابعي أيضاً .. لا أدري ولكنني أشعر به يا جدي )6 ص92 .
والذي ينشأ منذ طفولته متمرداً , ولا يترك أدواته وهو في أصعب الأحوال متخلصاً من الدنيا وما فيها ( ... وتصبح الورقة وأقلام الرسم هي كل الدنيا أمامك وتنس كل ما حولك.
-          تماماً هذا ما يحدث يا جدي .. ) ص93 .
كذلك تأتي خصوصية المكان بكل جوانبها متجسدة في هذه القصة فيرسم لنا القاص مدخلاً جغرافياً , واصفاً بإسهاب طبيعة المكان ومبرزاً جمالياته فيقول في مطلع القصة ( علي المصرف المالح يطل بيتنا الواسع ببوابته الخشبية العريضة الملطخة بدماء الأضاحي والنذور القديمة علي صبغها الأيمن ) .
...  تخلص القاص من الترهل السردي في هذه القصة .. لذا جاءت متكاملة فنياً .. وحملت في طبيعتها القضية الأساسية المؤرقة للكاتب ( أنت موهوب عندما تكبر عليك الذهاب إلي الشمال هناك تنمي موهبتك وتصقلها .
-          وهنا ( الجنوب )
وهنا مصيرك لا يخرج عن تمزيق أحشاء الأرض بحثاً عن رغيف الخبز )5 ص85
وهي الفروق بين الشمال والجنوب وكيف أن الجنوب رمز للتخلف / الفقر / عدم الإبداع – والشمال هو التقدم / الرفاهية / الإبداع .
تأتي قصة " رسالة أخيرة للخال عبد الجبار " علي عكس قصة الوجع فالقصة تمتلئ بالتقديرية الواضحة والترهل السردي والذي يأتي في ظل غياب الضرورة الفنية .
والضرورة الفنية عرفها أستاذنا د/ غالي شكري بقوله ( هي الضرورة التي في مستوي الحتمية كي يصبح العمل الأدبي بناءاً متكاملاً )12 ص90  .
ولننظر إلي هذه الفقرة ( ثلاثة آلاف من الأيام العجاف يا خال وسبحان شر البلية ليس فيها ما يشرف العرب وفي سجلهم المضيء يضاف وما عادت خلالها الخلائق اللائذة من الموت بالموت تفرق بين المعاش واللباس , بين الفتل كالبهائم والاستشهاد الموثق في كتب السماء ...  ما بين رعد البروق عندما تحنو يد الرب وتمن وبين قذف المدافع ودوي الانفجارات .. ما بين رائحة الطلع المنضود وتفتح الزهر في الأكمام وما ينبعث من سحب البارود عبر ساحات الوغى وكلما تماديتم تمادوا وكلما ركبتم رؤوسكم ركبوا فلهم أوطان مثلما لكم أنتم أوطانكم والبادئ أظلم وما انطلقت علينا الأكاذيب وما اقتنعنا التصريحات المدبجة وما هضمت عقولنا البيانات المنقمة وما صدقنا أيضاً كما ادعيتم أنكم الأعلم والأقوى فما أوتيتم منها إلا قليل من العنجهية والخداع القدر الكثير الكثير ...! )6 ص79 .
وفي فقرة أخري ( ثلاثة آلاف من الأيام حسبت علي عمر التاريخ العربي اللاهث من أجل اللحاق بقوافل الأقوام من حولنا أهدرها يا خال صبيكم وما جنيتم والجهول أمامكم سوي اللاشئ الملطخ بالعار والدمار والإفلاس )6  ص81 .
.. علي مدي تسع وعشرين صفحة يأتي السرد بهذا الأسلوب التقريري الذي أخفي في طياته روح العمل , وجعله رسالة مقاليه وصدق الكاتب في تسميتها لكنه أخفق في ضمها للمجموعة .
... بعد هذه المناقشة لأعمال القاص " أحمد ربيع الأسواني " نخلص برأينا الشخصي , بأن مجموعة " أشياء لا تحتمل الإفصاح " وهي الإصدار الثالث للقاص والثاني بالنسبة للمجموعات الداخلة في إطار المناقشة , تميزت عن المجموعتين الشمس طلعت يا عريس ونتف الريش .
وتميز القاص في هذه الأقصوصة التي جاءت بهذه المجموعة تميزاً واضحاً .. قائلين بأن التذبذب في المستوي الفني هو شئ طبيعي وصحي أملين أن تكون المجموعة القادمة للقاص ارقي في المستوي الفني أعمق في المستوي الفكري ...



هامش               
  

   
ملحوظة: تم الاكتفاء بذكر رقم المرجع / المصدر مرة واحدة واستخدم في المناقشة بناء علي هذا الرقم
(1)   من ذاكرة أحمد ربيع الأسواني – مجلة حورس – إصدار نادي أدب ادفو – العدد الأول .
(2)   مجلة حورس – مرجع سبق ذكره ص131.
(3)   مجموعة الشمس طلعت يا عريس – أحمد ربيع الأسواني – الهيئة العامة للكتاب .
(4)   قاسم سعد عليوه – كتاب لأقلام أسوانية – دراسته حول مجموعة الشمس طلعت يا عريس لأحمد ربيع الأسواني .
(5)   مجموعة أشياء لا تحتمل الإفصاح -  أحمد ربيع الأسواني – سلسلة ينابيع مطبوعات إقليم وسط وجنوب الصعيد .
(6)   مجموعة نتف الريش – أحمد ربيع الأسواني – علي نفقة المؤلف .
(7)   يعرف الكثير من النقاد القصة القصيرة بأنها رصد للحظة من اللحظات واللحظة في  قصة " مطاردات " هي لحظة كتابة هذه المذكرات الممتدة عبر فترة زمنية طويلة قد لا تتناسب مع القصة القصيرة إلا أن القاص نجح بتحديد قصته علي الصفحات من المذكرات .. كما ورد بتصدير القصة .
(8)   أحمد الليثي الشر وني – مجلة حورس- العدد الأول ص13 .
(9)   أحمد الليثي الشر وني – مجلة حورس – العدد الأول – ( بالرغم من هذا التعريف لخصوصية المكان هو تعريف " الشر وني " إلا أنه في الجانب التطبيقي بمكانه المنشور في المرجع المشار إليه لم يحاول مناقشة هذه القضايا)- [ الأساطير – التقاليد – العادات - .. اللغة ] – بعمق محاولات كشف الدلالات وحسن التوظيف , بل اكتفي بعرض لجغرافية المكان وبعض الألفاظ الدالة عليه وانتهي من مقاله بسرعة ..!
(10)أورد القاص في هامش القصة " الشمس طلعت يا عريس " تعريفا لهذا المطلع من الأغنية فقال ( والشمس طلعت يا عريس ) مطلع لأغنية مأثور لدي نساء قبائل الجعافرة في جنوب مصر ومن أهم معاقلها قري سلوا وبنبان وهي تغني عادتا صباح اليوم التالي للزفاف ( يوم الصباحية ) عندما يتأهب القوم لاصطحاب العريس من بيت عروسه إلي بيت أبيه ليعودوا في المساء مرة أخري وقد جعل منها القاص الراحل "إبراهيم فهمي " عنواناً لإحدى قصصه ( الشمس طلعت ) نشرت بمجلة إبداع انتهي تعليق القاص علي مطلع الأغنية .
(11)محمد الراوي – المغامرة الإبداعية / الرسائل الأدبية لضياء الشرقاوي /ط الهيئة العامة لقصور الثقافة / كتاب الثقافة الجديدة ص50 .
(12) د/ غالي شكري – أزمة الجنس في القصة العربية – طبعة د/ الشروق الأولي

(( ورقة حوار أحمد ربيع الأسواني ))

(1)   رغم رحلة الإبداع الطويلة والشاقة إلا أنني أشعر بأنني لم أقدم شيئاً ذا قيمة ( مجلة حورس ) لماذا .. هذا .. الشعور القاسي ؟  وهل شعورك بأنها (( مجرد إرهاصات فقط لما هو آت )) شعور ملازم لك أم شعور لحظي ؟
لحظي ما أسباب ذلك ؟                     ملازم لك ما أسباب ذلك ؟
                 ***************************
(2)   جاءت مجموعتك الرابعة (( نتف الريش )) بصورة سريعة , وغير متماسكة فنياً .. هل هناك رغبة داخلية لإصدار المجموعات من أجل اتساع قائمة مؤلفات أحمد ربيع الأسواني ؟
                       ****************************
(3)   أعلنت من قبل في جريدة أخبار الأدب بأنك تكتب رواية أين هي ؟ ولماذا لم تمارس كتابة الرواية ؟
                    ******************************
(4)   تمارس كتابة النقد الأدبي إلي جانب الإبداع ... كيف حدث ذلك ؟ وهي رؤيتك للمدارس والمناهج النقدية علي مدي تطورها ؟
                     *****************************
(5)اللمسة الإنسانية محور هام في قصصك .. كيف تري ذلك ؟
                             **************************

(6)   لم نر في قصصك أثر للتغير الثقافي الهائل الذي حدث في العالم وأثره علي مصر ..؟ ولماذا الانغلاق علي بؤرة مكانية محددة ؟

                    ****************************

(7)   من هي السماء التي تري لها مستقبلاً باهراً ... ولماذا ؟                        

                        ****************************
     (8) شاركت في العديد من المؤتمرات .. فماهي رؤيتك لهذه المؤتمرات , وما هي الاستفادة التي عادت إليك خاصةً ... وإلي الحركة عموماً ؟
            *******************************
(9) قصة الوجع مجموعة " أشياء لا تحتمل الإفصاح " استطاع قلمك تصوير شخصية الفنان الصغير بصورة رائعة .. كيف تم ذلك ؟ ولماذا تتأخر ظهور المواهب عندنا؟
                ******************************
(10)                      تؤرقك بشدة قضية ( الشمال والجنوب ) فما تعليقك ؟
                       ********************************
(11)                      لا حظنا انك تنزل بالمستوي اللغوي إلي مستوي أبطالك .. بالرغم من إمكاناتك كأديب التخلص من ذلك دون أية خلل فني للنص . فما تعقيبك ؟
ولماذا ؟
               ************************************

(12)                      ما هي فلسفتك للرمز ... ؟
                 ************************
(13)                      كانت لك مجموعة كاملة عن حرب 6 أكتوبر . غير بعض قصصك الأخرى عن العسكرية وحياتها لماذا ؟ وكيف تري علاقتنا بإسرائيل الآن ؟ وما هو دور الشباب في المستقبل ؟
                **********************************
(14)                      يرغب الكثير من الشباب في الرحيل والهجرة .. هل يمثل ذلك عدم انتماء الوطن ؟ وكيف توقظ ذلك ؟ وخصوصاً أن لك أعمالاً تدور في هذا الجانب ؟
                     ****************************
(15)                      بماذا تفسر غياب الملتقي ؟ وكيف الفجوة بين المتلقي والكاتب ؟
                       *******************************
(16)                      بصفتك مشرف علي صفحة أدبية .. كيف تتمكن من إثراء الحركة بالإقليم بصورة ملائمة ؟ وهل تقبل التوصية بالنشر ؟
               ********************************
(17)                      القصة والأقصوصة .. ما هو الفرق ؟
                ********************************
(18)                      ما هو تقييمك للدوريات الأدبية ؟ وكيفية علاجها ؟
                  ******************************
(19)                      أدباء الأقاليم / الصعيد مظلومون هل هذا صحيح ؟
(20)                      ********************************
(21)                      أعلم أن لك سفريات كثيرة وعشت فترة طويلة بالخارج , لماذا لا يظهر هذا المخزون في إبداعك ؟
                 ****************************
                              ****************************
1-     أنا أفقد اهتمامي تماماً بما أكتبه بمجرد الانتهاء من كتابته أو بمعني أخر بمجرد الخروج من أسر الحالة أو الإفلات من قبضتها وأعتقد أن عدم الاهتمام هذا مصدره عدم الرضا والشعور بأنني لم أكن متصالحاً تماماً مع التجربة وأن هناك بعض التعنت أو عدم التريث .. لذا فإن الشعور بأنني لم أقدم  شيئاً ذا يظل لدي شعور ملازم وليس لحظي وأدرك تماماً أنني لن أستطيع التخلص منه .. وقد يكون هذا الشعور هو الدافع لي للاستمرار في الكتابة .. هذا لا يمنع أنني أعود في أحيان كثيرة لقراءة بعض تجاربي القصصية من باب استعادة ذكريات حالات الكتابة لتلك القصص وهذا يعني أن هناك شئ من الرضا ولكنه أبداً ليس الرضا الكامل .. ما أود أن أكتبه لم أكتبه بعد ولا زلت أبحث عنه وقد أظل أبحث عنه حتى نهاية المطاف .
2- جميع المتابعين لتجربة الكتابة لدي يجمعون علي أنني أقسو علي نفسي كثيراً عندما أتحدث أو أكتب عن هذه التجربة لذي عندما يقول أحدهم أن مجموعة " نتف الريش " جاءت [ بصورة سريعة وغير متماسكة فنياً ] فإنه بالنسبة لي تعد هذه عبارة مخففة جداً لا يمكن أن أصف به هذه المجموعة أو حتى غيرها ... هذا علي المستوي الشخصي .. لكن المدهش حقاً أن هذه المجموعة بالذات لاقت قبولاً كبيراً لدي المتلقين !! ربما أكثر وأوسع من المجموعات التي سبقتها وهذا ما يثير حيرتي أيضاَ – لكن هذا الجدل حول المجموعة واختلاف وجهات النظر يعني بلا شك أنني كتبت شيئاً ما كان كافياً لإثارة هذا الجدل !! المجموعة لم تكتب بصورة سريعة لأنه فيما عدا قصة نتف الريش التي حملت أسمها المجموعة فانه بقية القصص كتبت خلال سنوات سابقة فأسقطتها من مجموعاتي القصصية السابقة لعدم تجانسها في تلك المجموعات أما عدم التماسك الفني فهذه جزئية ليس من حقي نقاشها أو حتى الخوض فيها فهي متروكة بالطبع للناقد أو المتلقي .. لكن ما أود أن أشير إليه هو أن المجموعة تحمل تياراً سياسياً لا يخفي علي أحد وهذا النوع من القص لا يستطيع – من وجهة نظري – أن ينأي الكاتب بنفسه بعيدا عن النص أي أن وجهة نظره وقناعته السياسية لابد وأن تطفو علي سطح النص أو تطل برأسها بين سطوره مهما حاول الالتزام بالجدية ولا يفسر هذا بعدم الصدق وانما له تفسيرات أخري متعددة جميعها ليست في صالح الكاتب إذا ما أخضعنا النص فقط لقوالب النقد الجاهزة التي نتعامل بها الآن !!! أما عن الرغبة في اتساع قائمة المؤلفات فهذا أبعد ما يكون عن تفكيري – لدي مئات القصص التي نشرت في الصحف والمطبوعات المصرية والعربية وخاصةً الخليجية منها لم أحاول مطلقاً جمعها ونشرها في مجموعات لأنني أدرك تماماً أن النشر ليس مقياساً للجودة والنضج كما أنني بدأت في نشر مؤلفاتي في سن متأخرة نسبياً عن بقية الزملاء من كتاب القصة وهذا يعني بالضرورة أنني لا أسعى إلي اتساع القائمة كما يعني أنني لا أهتم بالكيف قدر اهتمامي بالنوع . أنني أؤمن تماماً أن مجموعة قصصية واحدة قد تصنع اسماً لكاتبها لا تصنعه عشر مجموعات مماثلة !!
3- بالفعل لدي بعض فصول لرواية بدأت في كتابتها قبل سنوات ثم توقفت ... والرواية هذه لم أضع لها عنواناً بعد هي رواية تاريخية تتناول حياة الأمير [ حمد أبو جعافر ] وهو الجد الأكبر لقبائل جعافرة الصعيد وسبب التوقف هو أن هناك بعض الحلقات المفقودة في تاريخ هذا الرجل والتي لا زلت أبحث عنها في المراجع التاريخية كما أنني مع بداية الفصل الرابع من الرواية اكتشفت – لأنني جعفري – أن هناك نسبة ما من الانحياز لجانب هذا الرجل وهذا الاكتشاف أصابني بالرعب فتوقفت علي الفور وأرجأت الكتابة حتى أستعيد توازني النفسي الذي يمكنني التشبث بالمنطقة المحايدة فلا أعطي الرجل أكثر من حقه كما لا أبخسه هذا الحق أيضاً .. الصدق والتزام الحياد و الاتكاء علي الوقائع والأحداث التاريخية هي الركائز الهامة في كتابة النص التاريخي .. قريباً سوف أستكمل هذه الرواية التي اعتقد أنها سوف تصدر علي جزأين – أما فيما عدا ذلك فإن هناك عدة مشروعات روايات لم أشرع في كتابتها بعد وأن كنت لا أستطيع أن أخفي أن عشقي الأول والأخير هي القصة القصيرة فإن هذا العشق يحول دائماً بيني وبين كتابة الأنواع الأخرى من الأدب وعلي رأسها الرواية ... بل أن القصة استطاعت خلال تجربتين لي في مجال الرواية أن أحول النص أثناء الكتابة من الرواية إلي القصة وهما قصة " أزمنة الصهيل " في مجموعة أدب الحرب و " نتف الريش " أيضاً . وقد لاحظ بعض النقاد ذلك .
4- نعم أمارس كتابة القراءات النقدية وليس النقد بمعناه المعروف ويعود ذلك لأن هناك الكثير من الإبداعات الأدبية في الجنوب التي تستحق بالفعل أن يلقي عليها الضوء ولكن للأسف لم يلتفت اليها النقاد الذين تتضاءل أعدادهم كلما اتجهنا من القاهرة جنوباً , وعنوان الجزء الأول من الدراسات النقدية الذي أصدره الفرع الثقافي بأسوان خلال العام الماضي يوضح تماماً أنني لست ناقداً إنما كل ما في الأمر هو مجرد قراءات نقدية ( ريثما يكتبون .. أنا أكتب ) .. ورغم هذا الجهد الذي جاء علي حساب الإبداع فإن كتاباتي النقدية للأسف أفقدتني بعض الأصدقاء من المبدعين !! إننا لا زلنا هنا في الجنوب نؤمن بأن النقد هو انتقاد ولا زلنا رغم المهازل التي حدثت في مؤتمرات أنس الوجود الأدبي بأسوان والدراسات النقدية الهزيلة التي تناولت إبداعات الجنوب نؤمن بأن الناقد الشمالي هو الأجدر والأحق وأن [ بنت البيت عوره ] ورغم ذلك فإنني أنجزت الجزء الثاني من تلك الدراسات وسوف ينشر قريباً أن شاء الله .
5- الأدب والفن بوجه عام هو إنتاج إنساني وبالتالي فإنه من البديهي أن يتوجه هذا الإبداع إلي الإنسان أيضاً مخاطباً فيه الفعل والوجدان في محاولة مضطرده ومتعاقبة للارتقاء به , كما أن الأدب والفن هو ترجمة واقعية ومرآة تنعكس علي سطحها الهموم الإنسانية خلال الأمس واليوم ومنارات هادية لما يمكن أن يكون عليه الإنسان غداً أو بعد غد . أي أن الإبداع هو جوهرة إعمال الفعل للتعرف علي تضاريس المستقبل لذي فإن اللمسات الإنسانية تأتي في كتاباتي في خضم الهم الإنساني العام والشامل وقد تشكل في بعض قصصي الركيزة والمحور        بأن أجمل ماضي الإنسان هو الإنسان !!
6- ( مائة عام من العزلة ) لماركيز وثلاثية نجيب محفوظ وموسم الهجرة إلي الشمال للطيب صالح وجميعها روايات محلية لماذا نالت تلك الشهرة العالمية ؟
لأنها كانت صادقة تماماً في التعبير عن الواقع المحلي الذي عايشه المبدع وأجاد في التقاط أدق تفاصيله وكما يقولون فإن الإغراق في المحلية هو أقصر الطرق للعالمية وهذا قول صحيح ولأنني أستقي مادتي الخام من البيئة لأعيدها بعد التشكيل مرة أخري إلي البيئة فيجب أن أكون صادقاً أثناء عملية التشكيل بحيث يكون المنتج النهائي قادراً علي التناغم والتجانس مع هذه البيئة وليس شاذاً وغريباً عنها لذا فإن التغيرات الثقافية التي حدثت في العالم من البديهي أن يستوعبها المبدع وأن يستفيد منها كأساليب وأنماط وتكنيك دون أن يكون لذلك تأثير علي رسالة المبدع الجوهرية فالقاص المصري ليس مطالباً بكتابة القصة الروسية أو اللاتينية فان فعل ذلك فمثله مثل الذي يستورد المادة الخام من الخارج ليقوم بتصنيعها وإعادة تصديرها مرة أخري وهذا الأمر بعيد كل البعد عن الإبداع الأدبي .
7- من المؤكد أن هناك فوائد كثيرة من وراء حضور المؤتمرات الأدبية من أهمها اللقاء المباشر والاحتكاك بمعظم أدباء مصر من شعراء  وكتاب قصة ورواية ونقاد أيضاً وأن الحوارات الجانبية والمناقشات قد أضافت إلي رصيدي معرفة الكثير , هذا بخلاف أن القضايا والمحاور التي تتناولها المؤتمرات المختلفة تعد ذات أهمية كبري بالنسبة للمبدع المهتم والمتابع ولا يكفي أن تقرأ في كتاب بل أن طرحها علي جمهور الأدباء وفتح باب المناقشات يثري هذه القضايا ويضفي عليها أبعاداً أخري
8- أسوان بيئة فقيرة بكل المقاييس الاقتصادية .. هي شريط ضيق يقع ما بين رمال الصحراء الغربية وجبال الصحراء الشرقية بمعني أن المبدعين الأسوانيين يعانون                                                                                                                                فعل أهل أسوان من ضغوط اقتصادية لذا فإن الموهبة لا تستطيع أن تعبر عن نفسها إلا بعد سن الثلاثين أي سن الاستقرار الاقتصادي والإفلات من ضغوط متطلبات الحياة  واللهاث وراء لقمة العيش والأسرة الأسوانية المطحونة تنظر إلي الفرد المبدع فيها غير المنتج مادياً وغير المسهم في دعم اقتصادها نظرة استهجان وكأنه بعير أجره لأن الإبداع الأدبي ليس له عائد مادي بل ويشكل عبئاً اقتصادياً إضافيا علي أسرة المبدع .
أما فيما يتعلق بشخصية الولد الصغير الفنان في قصة " الوجع " وهي بالمناسبة من القصص القليلة التي أعود إلي قراءتها بين وقت وأخر ربما تعود الايجادة في تصوير تلك الشخصية من وجهة نظر السائل إلى أنها تمثل بطريقة ما جزء من معاناتي خلال سنوات الطفولة حيث لم يكن مسموحاً لي بقراءة أي شئ خلاف المقررات الدراسية فتحولت في ذلك الوقت إلي (( لص قراءة )) وقد استمر هذا الوضع معي حتى المرحلة الثانوية وكان عثور أسرتي علي قصة أو رواية أخفيتها تحت المرتبة أو بين الكتب المدرسية أو أسفل القميص الذي أرتديه بمثابة عثورهم علي لفافة مخدرات تستوجب العقاب الصارم ومنع المصروف والوضع تحت المراقبة الصارمة .
9-     نعم تؤرقني هذه المشكلة .. دعني أذكرك في البداية بما جاء في قصة التبلور " مجموعة أشياء لا تحتمل الإفصاح " عن شكل الشمال والجنوب هو تساءل لم أجد له تفسيراً حتى الآن عن الفرق بين التقدم الحضاري والاقتصادي والثقافي أيضاً بين شمال الكرة الأرضية وجنوبها بين شمال أي قارة وجنوبها بين شمال أي دولة وجنوبها بين شمال أي مدينة وجنوبها بين شمال أي قرية وجنوبها وأخيراً بين شمال البناية الواحدة وجنوبها أتحدى أن يجد لي أحدهم شذوذاً عن هذه القاعدة .
حسناً علي مستوي الإبداع المصري فسوف نعثر في معظم الكتابات الجنوبية علي القاهرة النداهة والمحروسة والمدينة بلا قلب تعثر عليها القبلة التي يتوق للتوجه اليها المدعين لأنها مركز الثقل والأضواء ولكننا لن نجد شيئاً من هذا في كتابات الشمال الذي يلي القاهرة جغرافياً مثل السويس وبور سعيد والإسكندرية والدلتا بوجه عام وهي |أقاليم تشبه أقاليم الصعيد لماذا تختلف نظرتهم هناك  إلي القاهرة عن نظرتنا وشعورنا نحن تجاهها ؟ هي إذن مشكلة الشمال والجنوب كجغرافيا .
حتى الآن رغم عشرات التفسيرات لم أعثر علي التفسير المقنع !!




10- بالتأكيد تقصد الحوارات !! عندما تكتب قصة أو رواية فإنها ترتكز بالضرورة علي شخصيات تنتقاه جيداً تشكل فيما بينها وكل في موقعها نسيج النص وتلك الشخصيات بالضرورة أيضاً ذات ثقافات وسلوكيات مختلفة ومتفاوتة لذا ليس من الصدق في شئ أن ترتقي بلغة الحوار إلي حد التوحيد المطلق فأنت في فغل هذه الحالة تتحدث نيابةً عنهم .. هل يفعل مثلاً أن تضع حواراً علي رجل بسيط أمي ثم تساوي بينه وبين حوار الأستاذ الجامعي أو العكس أو حوار علي لسان إمام مسجد فتساوي بينه وبين لغة الحوار التي يتعامل بها قواد مأجور لغة الحوار يا سيدي  هي جزء هام ورئيسي في تشكيل الشخصية القصصية وعكس الواقع بصدق لذي تجدني ارتفع وأهبط بلغة الحوار هذه وفقاً للشخصية التي أتعامل معها أو التي تتعامل هي مع أحداث النص وهنا فإن الأمر لا يتعلق بإمكانيات الكاتب فقط  وإنما تحكمه الشخصية القصصية بثقافتها وسلوكها وتجاربها الحياتية المكتسبة وعل الكاتب أن يتعامل معها كما هي بحرص وحذر شديدين وأن يجتهد في الإلمام بأبعاد تلك الشخصيات وإلا فإن النص سوف يفلت من بين يديه .
11-   في الشعر والقصة أؤمن تماماً بالنص الصريح والمقاتل لذي لا أميل كثيراً إلي استخدام الرمز في كتاباتي إلا إذا اقتضت الضرورة الفنية ذلك وفي جميع الحالات لا يزيد في كتاباتي عن كونه حلية أو إكسسوار ... يجب أن نعرف أن الرمز استخدم في الكتابات الأدبية للهروب من مواجهة وبطش السلطة هذا هو السبب الرئيسي في استخدامه وطالما أن الكاتب لديه القدرة علي مواجهة السلطة فلما لا يكتب النص الصريح ولا أعني به المباشر وبالتالي لا أعني التخلي عن مقومات العمل الأدبي المعروفة فمثلاً إذا ما أردت أن أقول أن فلان رئيس دولة ديكتاتور فلما أتركه وأتحدث عن نيرون وإذا ما أردت أن أتحدث عن الرائحة الكريهة التي تنبعث من فلان فلم أدعه في شأنه وأتحدث عن دورة المياه , لما لا أكتب عن الحقيقة المجردة الماثلة أمامي والواضحة تماماً وأجهد نفسي في البحث لها عن رمز ! ؟
12- قبل أن أتحدث عن كتاباتي أدب الحرب دعني أسرد عليك واقعة طريفة أعتقد أنها شكلت فيما بعد عنصراً نفسياً ضاغطاً في كتابات أدب الحرب ....
موجزها أنني في سن الالتحاق بالجندية توجهت إلي أسيوط ( منقباد ) قبل أن ينقل مركز التجنيد إلي قنا وبرفقتي [ 27 ] شاباً وأجريت لنا الاختبارات الطبية المعهودة ونجح الجميع فيما عدا أنا لضعف البصر بكيت أمام الأطباء الضباط وتوسلت إليهم ورجوتهم التقاضي عن ضعف البصر .. عدت إلي أسوان وحيداً أحمل شهادة خضراء تقول أنني غير لائق طبياً للخدمة العسكرية لذي كتبت فيما بعد أدب الحرب وكأنني أقول لنفسي – وهو شعور لم أكتشفه إلا قريباً – طالما أنني حرمت من حمل السلاح فلما لا أكتب عن الرفاق الذين حملوه , وفي حفل توزيع جوائز مسابقة أكتوبر للقوات المسلحة التي فزت خلالها بقصة ( الشمس طلعت يا عريس ) سألني أحد الضباط الكبار عن السلاح الذي التحقت به وعن موقع وحدتي أثناء العبور !!! وعندما عرف أنني لم يكن لي الشرف في ارتداء الزي العسكري اعترته الدهشة فعاد يسألني وكيف كتبت ما كتبته دون أن أشارك في المعارك ! ؟
هناك رأيي يقول أن هناك تجربتين قاسيتين يوجههما الإنسان في حياته ولا يمكن الكتابة عنهما بصدق إلا من يمر بهما وهما تجربتي الحرب والسجن ولأن الثانية لم أوجهها والحمد لله إلا أن الأولي وعل ضوء تجربتي في الكتابة يمكن الكتابة عنها لأن الحرب لا تعن فقط المواجهات القتالية بقدر ما تمتد أثارها إلي الجبهة الداخلية وتوحد المشاعر والأحاسيس أثناء هذه التجربة بالإضافة إلي أننا شعب حكاء بطبيعته أي أن تفاصيل القتال سوف تكون في متناول الجبهة الداخلية بمجرد انتهاء القتال ... لا كن يشترط في من يتصدى لتجربة كتابة أدب الحرب من غير المقاتلين أن تكون ثقافته عالمية وإلمام واسع بما كتبه الأخر ون حول هذا النوع من الكتابة .
13 – السفر والهجرة هو أمر كامن في الطبيعة البشرية التي تسعي دائماً للأفضل من حيث المكان ومصدر الرزق كما أن الدين الإسلامي حث عليه ولم يطلب منا التشبث بمواقعنا التي قد تكون مصادرها غير كافية للإعاشة ... طلب منا السعي وراء الرزق وبارك هذا المسعى ... لكن  أري أن لا خطر يهدر الانتماء الوطني أو الولاء طالما أن المهاجر والساعي وراء لقمة العيش بمبادئ قومه وعادات أهله ومخلصاً فيما بينه وبين نفسه ونحن المصريين ن أشد شعوب العالم تمسكاً بالقيم في داخل الوطن أو خارجه علي حد سواء ولدينا من الانتماء الوطني ما يحول دون فقدنا للهوية المصرية .
14 – غياب المتلقي يقع في المرتبة الأولي علي عاتق المبدع بمعني أخر علي نوعية الإبداع الذي تطرحه بين يدي المتلقي فمثلاً كان شعر الفصحى يلاقي قبولاً كبيراً لدي المتلقي إلي أن بدأ هذا النوع في الاتجاه نحو الغموض فانصرف عنه المتلقي حيث ثقافته التي لا تمكنه من إزاحة هذا الغموض والوصول إلي جوهر النص فظهر شعر العامية كي يلبي طلبات المتلقي ويخاطب شريحة كبيرة من المجتمع وبالفعل استطاع شعر العامية أن يسد الفراغ الذي أحدثه شعر الفصحى بابتعاده عن مستوي المتلقي العادي ولكن سرعان ما أصاب  العامية داء الفصحى فانصرف المتلقي مرة أخري عنه وكذلك في القصة والرواية بالفعل هناك فجوة الآن بين المبدع والمتلقي وهذه الفجوة أو هذا الجفاء ليس في صالح المبدع بأي حال من الأحوال .
15 – الإشراف علي صفحة أدبية يعد في الحقيقة عبئاً علي كاهل المبدع ارغب في الواقع من التخلص منه هو مسئولية ضخمة واختبار مستمر ومتواصل ولكنها من زاوية أخري أنظر اليها كرسالة أو واجب تجاه الزملاء المبدعين أو تجاه الحركة الأدبية في الإقليم هي نافذة تطل منها الإبداعات والآراء وساحة لمناقشة القضايا الأدبية والثقافية كما يقع علي عاتقها رعاية الموهوبين وتقديم الواعدين وتشجيعهم علي مواصلة مشوار الكتابة .
أما عن التوصية بالنشر فإنني أقبلها إذا كنت مقتنعاً بأن الموصي عليه يتمتع بقدر من الموهبة وأن كتاباته قابلة للتطوير والصقل وهذا أمر وارد لا يمكن أن أنكره .
16 – من وجهة نظري لا فرق بين القصة القصيرة والأقصوصة إلا من حيث الشكل فكلاهما يتناول رؤية لحدث ما أو جزء من حدث أو زاوية من حدث قد تكفي الأقصوصة لتغطية المستهدف وقد تكون هذه الرؤيا تحتاج إلي مساحة البقية ... المهم في النهاية أن يخرج النص حاملا لصفات وملامح القصة كنوع أدبي ولقد جربت الكتابة من خلال الشكلين دون أن أتعمد أن أجعل هذه قصة أو تلك أقصوصة .
17 – إن كنت تعني الدوريات الأدبية المحلية فهي ثلاث دوريات في الوقت الحاضر( أقلام أسوانية ) ويصدرها نادي أدب أسوان( ورؤية ) ويصدرها نادي أدب كوم أمبو و( حورس ) ويصدرها نادي أدب ادفو وأعتقد أنها تتقدم من مصدار إلي أخر من حيث الكم والنوع  لكن من أهم عيوبها خضوعها ورضوخها للحساسية التي يعاني منها الأدباء والمساواة الغير عادلة بين الغث والثمين  كما أنها لا تخلو من المجاملة وجبر الخواطر وفي الحقيقة هذا يسئ اليها جداً ... كثير من الأصدقاء خارج أسوان لفتوا أنظارنا إلي هذه العيوب الفادحة كما أنها مليئة بالأخطاء المطبعية أما من ناحية الشكل والإخراج فهي متواضعة وقد يعود السبب إلي ضعف الإمكانات المطبعية المحلية .
18 – في الوقت الحاضر لا أستطيع القول أن هناك ظلماً يقع علي أدباء الصعيد فالأندية كثيرة ومتنوعة والدوريات التي تستوعب إبداعاتهم أكثر منها ما هو علي المستوي المحلي أو الإقليمي أو حتى علي مستوي دوريات القاهرة ... الظلم الحقيقي هو ظلمهم لأنفسهم فالمبدع الصعيدي بكل أسف لا يتفرغ تماماً لإبداعه فالمعارك الجانبية مع الآخرين تستهلكه وتستقطع الكثير من جهده لازلنا في الصعيد نتعامل بالسلوكيات القبلية ولا نتسامح مع الأخر أو نتجاوز أخطاء بعضنا تجاه البعض .
19 -  سافرت إلي العديد من بلدان العالم وتجربة السفر بالنسبة للمبدع تشبه تماماً تجربة القراءة بل هي أرسخ منها في الوجدان أو الذاكرة لأنك في السفر تري وتسمع وتتعلم وتحتك وتجرب أيضاً وأستطيع أن أزعم بأن الرصيد المعرفي لدي وهو متواضع ما كان يتوافر لدي لو اكتفيت بمجرد القراءة في موطني ..
حتى الآن لم يصادفني النص الذي أستطيع أن أوظف خلاله تجارب السفر أو جزئيات من هذه التجارب ولكن من ناحية أخري فقد ولدت لدي السفر قناعات شخصية مؤكدة بأن مصر – ليس لأنني مصري ... هي من أفضل وأجمل بلاد الدنيا وأجمل ما فيها الإنسان نفسه وأعتقد أن هذه القناعات انعكست بشكل ما في بعض كتاباتي . 
                                                                                                                   

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

مناقشات ..حول القصة القصيرة بجنوب الصعيد بقلم/عماد عزت

برنامج وكيلك التسويقي في 30 يوم